الاثنين، 24 سبتمبر 2012

ملخص علاقة السببية

ملخص علاقة السببية


 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد،

أيها الإخوة الكرام

فقد كتبت موضوعا حول علاقة السببية وقد جرى تبادل رأي فيه مع أحد المفكرين، وقد قمت بتلخيص هذا الموضوع الهام جدا على شكل نقاط، وهي كالتالي:

1. الأصل في أشياء الكون جميعا أنها مستقرة ومتزنة لا تتغير ذاتيا، أي هي عاجزة وقاصرة عن تغيير حالة الاستقرار التي هي فيها لوجود صفة الاحتياج أو القصور الذاتي فيها، فهي تقاوم تغيير تلك الحالة من الاستقرار ولا تتغير إلا بتأثير أسباب معينة.

2. السبب هو الشيء الذي يكتسب طاقة التغيير في زمن معين، ويستطيع بامتلاكه هذه القوة السببية أن يؤثر في غيره من الأشياء القابلة للتأثر ونقلها من حالة معينة إلى حالة جديدة مغايرة للحالة السابقة.

3. للسبب ثلاث صفات هي استطاعة التغيير والتأثير، والتعاون مع الشروط، وحتمية أو ضرورة الإنتاج للمسبّب.

4. المعيار الصحيح للتفريق بين العوامل التي تحدث النتيجة أي التفريق ما بين السبب وباقي الشروط يكون بناء على اكتساب واحد من هذه العوامل أو أكثر للطاقة المؤثرة فيتم اعتباره سببا لتلك النتيجة.

5. العلاقة السببية تثبت بين واقعتين متتابعتين إذا تبين بالتحليل العقلي أن حصول الواقعة السابقة زمنا (بدء فعالية السبب) قد حرك قانونا أو مجموعة من القوانين الطبيعية أفضت وأدت حتما ولزوما إلى حصول الواقعة التالية. فالقوانين هي الرابط بين طرفي العلاقة السببية.

6. العلة التامة هي جميع العوامل التي يتوقف عليها وجود الفعالية السببية التامة التي تؤدي إلى حدوث النتيجة، وهي الأسباب والشروط اللازمة وغياب الموانع. وإذا غاب أحدها فإن العلة تعتبر ناقصة ولا يحدث المسبَّب حتما أي لا نحصل على نتيجة.

7. الطاقة في هذا الكون فيها قابلية التحول من شكل إلى آخر، ولكن هذا التحويل لا يتم بشكل كامل وتام، وإنما تنتقل الطاقة بنسبة معينة فيما تتحول النسبة الباقية إلى أشكال أخرى من الطاقة وتسمى"مجازا" من قبل الإنسان بالطاقة الضائعة.

8. التسلسل السببي هو تحول النتيجة أو المسبَّب المنفعل بالطاقة السببية إلى سبب جديد يولد تأثيرا في شيء آخر غيره، وهذا يؤثر على مسبب آخر يتحول إلى سبب جديد وهكذا.

9. السلسلة السببية سلسلة محدودة أي أنه لا بد لها من بداية ونهاية حتما في زمان ما ومكان ما، ذلك أن الطاقة السببية هي كمية محددة والشروط المحيطة بالأشياء واللازمة لعمل الأسباب هي أيضا محدودة، وهذه المحدودات لا يمكن أن تنتج سلاسل لانهائية من الأسباب والمسببات، لأن صفة المحدودية كما تنطبق على الكمية فإنها تنطبق على عدد حلقات هذه السلاسل.

10. التعاون بين مجموعة من الأسباب لأداء عمل مشترك يشكل نظاما سببيا، فالنظام يتكون من أجزاء، وما يجمع هذه الأجزاء معا هو وجود شبكة من الروابط بينها والى ترتبها في نسق وأشكال ربط معينة أو وفق برمجة محددة.

11. الأشياء تميل إلى الفوضى ولا تنتظم إلا جبرا عنها، ولذلك لا يوجد تعاون تلقائي بين الأسباب لأداء وظيفة ما بل العكس هو الصحيح، والنظام السببي بحاجة إلى روابط وإلى طاقة تجمع الأجزاء المختلفة لتشكيل كيان جامع، وإذا كسرت الروابط انفلتت تلك الأجزاء من النظام وعادت إلى حالتها الطبيعية ودبت فيها الفوضى.

12. بما أن الأصل في تصرفات الأسباب أنها تميل إلى الانفلات من النظام فإن وجود النظام ابتداء بحاجة إلى سبب يربط ويجمع أجزاءه ويبرمجها حتى يتشكل النظام ليؤدي الوظائف التي أرادها له منظمه.

13. جميع الأنظمة السببية تميل إلى الاستقرار والتوازن، ولذلك فهي بالتالي تحتاج إلى حلقات التأثير العواد المعادل (التغذية الرجعية أو السببية المرتدة).

14. وجود التأثير العواد المعادل يعمل على تقليل الفارق بين ما هو كائن وموجود وما يجب أن يكون عليه النظام، فهناك الوضع الراهن وهناك الوظيفة أو الوضع المرغوب الذي يسعى النظام إلى الوصول إليه. ولذلك فلا بد بالضرورة أن يكون لكل نظام وظيفة أو هدفا وهو الوصول إلى تلك الحالة المرغوبة أو الحفاظ عليها.

15. يحتاج النظام لكي يقوم بعمله ولكي يصل إلى الوضع المرغوب، إلى مقياس دقيق وصحيح لتقييم الفارق بين الوضع الراهن والوضع المرغوب فيستطيع تقييم الفارق بين الحالتين ويقوم تاليا باتخاذ الإجراء اللازم للتصحيح. وتمثل الحواس الخمس والعقل في الإنسان تلك المقاييس اللازمة للتقييم وتحقيق الأهداف.

16. الأنظمة السببية غير العاقلة كالسيارة والساعة والنظام البيئي ليست غائية بذاتها أي لا توجد لها أهداف خاصة بها، بل تقوم بأداء عملها ووظيفتها كما هي مبرمجة عليه وفق القوانين والسنن الطبيعية.

17. الأنظمة السببية العاقلة كالإنسان والدول والأحزاب لها دوافع إرادة وغاية وراء كل فعل سببي تقوم بأدائه وتكون سابقة للأفعال السببية.

18. مبرمج أو صانع الأنظمة السببية غير العاقلة هو من يملك الإرادة وهو صاحب الهدف وهو الذي يحدد وظيفة وعمل النظام.

19. هناك فارق بين السببية الفيزيائية والسببية المتعلقة بأفعال وسلوك الإنسان بسبب وجود الإرادة والاختيار أو الحرية لدى الإنسان.

20. السببية الإنسانية لها شق فيزيائي حتمي وهو الأفعال التي تباشرها أعضاء الجسم متلبسة مع الشيء الآخر الواقع عليه هذا الفعل. والشق الآخر للعلاقة السببية الإنسانية يتعلق بالإرادة أو التفاعل بين المثيرات الخارجية أو الداخلية وبين القيام بالفعل.

21. سلوك الإنسان يكون بحسب مفاهيمه عن الأشياء، وهذا السلوك ليس آليا بل لا بد من صدور الأمر من العقل أولا لوجود الاختيار والإرادة، وبالتالي يكون الإنسان مسؤولا عن الفعل الذي قام به أي أن الإرادة هي سبب الفعل والسلوك.

22. الإرادة الإنسانية هي تلك الحلقة المتوسطة بين وجود المثير والقيام بالفعل أو التصرف الإنساني، وهذا ما يميز السببية الإنسانية عن غيرها بأنها اجتماعية وليست تلقائية أو آلية.

23. التنبؤ بالمستقبل وتوقع النتائج ضروري للإنسان لتحقيق غاياته وأهدافه، وهذا يستلزم معرفة الإنسان لكيفية تصرف الأسباب المنفردة وكذلك تصرف أنظمة الكيانات السببية، ويكون ذلك باكتشاف قوانين الطبيعية وسنن الطبائع التي تتحكم في العلاقة السببية.

24. السببية الفيزيائية تخضع لقوانين طبيعية صارمة وحدية، أما السببية الإنسانية فتخضع لسنن دائمة أو طبائع ولكنها غير صارمة أو غير حدية.

25. الطريقة العلمية في البحث تصلح لاكتشاف القوانين المادية الطبيعية بسبب إمكانية التأكد من النتيجة بإخضاع المادة للفحص في المختبر، كالفيزياء والكيمياء والهندسة.

26. الطريقة العقلية أوسع من الطريقة العلمية وهي لا تشترط الفحص المخبري بل تكتفي بالمشاهدة الحسية والاستقراء والقياس، وبالتالي فهي تصلح للمعارف الاجتماعية والإنسانية كالسياسة والاقتصاد والتشريع والتربية والنفس.

27. يمكن اكتشاف السنن أو الطبائع من خلال المشاهدات والاستقراء التاريخي، وهي لا تخضع للفحص في المختبر كما هو حال الفيزياء، ويستعان في اكتشافها وتحديدها بنظرية الاحتمالات والإحصاء الرياضي.

28. فكر الإنسان لا يستطيع التعامل مع السببية الموسعة عند البحث في ظاهرة إنسانية معينة، فيلجأ إلى اختزال أهم الأسباب من خلال اختيار تلك العوامل الأكثر أهمية والأكثر تأثيرا، واستبعاد تلك العوامل قليلة التأثير أو التي لا يمكن ضبطها من خلال قياس مقاديرها.

29. تتأثر عملية اختزال الأسباب بمنظومة الإنسان الفكرية ورغباته، وتكون دقة عملية اكتشاف سنن الطبائع عالية أو أقل دقة متعلقة بمدى حياد الباحث بالإضافة إلى مدى سهولة أو تعقيد الظاهرة الواقعة تحت الدراسة، ويضاف إلى ذلك مدى قدرته على فهم الظاهرة والتي تتأثر عادة برغباته وآرائه السابقة.

هذا ملخص علاقة السببية فأرجو من كان لديه من الإخوة تعقيب أن يكتبه هنا لنتناقش فيه ويتم الله به الفائدة.

ولكم جزيل الشكر سلفا

والسلام عليكم
رابط الموضوع من منتدى العقاب:
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=25212&hl=علاقة+السببية

مفهوم الزمن وتعريفه


مفهوم الزمن وتعريفه

السلام عليكم

ربما كان هذا الموضوع (الزمن) هو من أصعب المفاهيم التي يُتطرق إليها على الرغم من مدى بديهية مفهوم الزمن والوقت لدى الإنسان العاقل. وإن تناول البديهيات بالتمحيص أحيانا قد يزيدها غموضا لأنها أساس أولي لغيرها من الأفكار ويتقبلها الذهن دون الحاجة إلى التعمق في معانيها والبراهين عليها، ولكن لا مانع من المحاولة للوصول إلى الغاية التي نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلى الصواب فيها.

مقدمة:

أن الزمن متعلق بالتغيير الذي يحصل لحالة الأشياء وحركاتها وارتباط عمليات التغيير والحركة في الأشياء ببعضها داخل النظام السببي في الكون وكون حصول هذه العمليات التغييرية على شكل سلاسل من العمليات الجزئية المتكررة المتساوية، فإن اقتران حدوث سلاسل حركات التغيير في الأشياء تعني وجود التزامن بينها أي في نفس اللحظة الزمنية، ومتوالية أجزاء اللحظات الزمانية المتساوية والمتسلسلة تعني الوقت.
أن معنى ما أقول غير متعلق بادراك ذهن الإنسان لذلك أو عدم إدراكه وانفعاله به أو عدمه، بل هو متعلق بالنظام السببي في الكون الذي تحدث فيه عمليات التغيير وفق قوانين وسنن جعلها الله في الكون. وعمليات التغيير التي تحدث هي خارج فكر الإنسان أي تحدث في الواقع الخارجي بغض النظر عن إدراك العقل الإنساني لها أو عدم إدراكه، فهي عمليات تغيير متحركة منذ اللحظة التي خلق الله في هذا الكون بسماواته وأرضه وفق قوانين صارمة ضمن النظام السببي للكون، والله جعل الشمس والقمر تتحركان في فلك ثابت مضبوط ضمن النظام الكزني كعلامة على الوقت ليتمكن الإنسان من تعلم عدد السنين والليل والنهار ومواقيت كل شيء.
وبالتالي فإدراك الإنسان لذلك هو يتعلق بوجود الزمن ذاته كواقع خارجي محسوس لحدوث التغيير في الأشياء قال تعالى "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا" فوجود آدم وذريته على الأرض كان في جزء من الدهر وهذا يعني أن الدهر موجود قبل وجود الإنسان نفسه، فالدهر ابتدأ عند لحظة خلق فاطر السماوات للأشياء وتقديره سبحانه لحدوث التغيير فيها، وهذا كان قبل خلق الإنسان وما بث الله في الأرض من دابة.
 

وبغرض التمهيد للمسألة لا بد أن نقرر الأمور التالية:


1. يتعلق الزمن بوجود الأشياء وبدونها لا وجود له.
2. لا يرتبط فهم الزمن بالأشياء الساكنة ابتداء ولكنه يرتبط بالتغير الذي يحدث في الأشياء.

3. هناك علاقة طردية بين التغير والوقت فمقدار التغير في الأشياء يرتبط ويحتاج لمقدار معين من الوقت.

4. التغير في الأشياء يعني انتقالها من حالة إلى أخرى بتأثير غيرها.

5. لا يحدث التغير في الأشياء إلا بأسباب معينة والسبب هو الشيء الذي يملك الطاقة السببية النشطة الفاعلة المؤثرة في الغير.

6. هناك اقتران بين السبب والنتيجة (المسبَّب) وهو ما يسمى بعلاقة السببية، وارتباط حدوث النتيجة بسببها يلزمه مقدار زمني معين من تأثير الطاقة السببية على الأشياء لتغيير حالتها التي هي فيها إلى حالة جديدة نسميها النتيجة. وعند بداية عملية الفعالية السببية من قبل السبب وبعد مضي فترة من الوقت تحصل النتيجة تاليا أي متأخرة في الترتيب.

7. مقدار الطاقة السببية الفاعلة والمؤثرة على الأشياء لفترة زمنية معينة ينتج مقدارا محددا من التغيير فيها.
 
8. هناك ارتباط بين الطاقة السببية الفاعلة والوقت، فالطاقة بحاجة إلى الوقت وبدون الوقت يكون تأثير الطاقة السببية لإحداث التغيير في الأشياء يساوي صفرا وكلما زاد الوقت زاد مقدار الطاقة السببية المؤثرة، فلا بد من امتزاجهما معا.
 
9. لا ندرك -نحن البشر- الوقت بذاته بل ندركه من خلال احتياج الطاقة السببية له لإحداث التغيير المطلوب في الأشياء، وبالتالي فماهية الوقت غير مدركة لنا مباشرة بل تدرك من خلال آثاره. فالوقت قيمة مقترنة بالطاقة السببية وقيمة الطاقة ترتبط بمقدار إحداث التغيير في الأشياء.

10. الوقت ليس قيمة مطلقة في الكون بل هو نسبي وقيمته ترجع إلى النظام السببي الذي يقاس فيه.وبتغير النظام السببي تتغير قيمة الوقت.

11. إن مقدار التغير في الأشياء يختلف من شيء إلى آخر ويؤخذ مقياس وحدة التغير في أحدها ليكون مقياس الوقت، ويقاس التغير في الأشياء الأخرى بالنسبة لوحدة القياس المعتمدة هذه كالساعة واليوم والسنة.

12. الوقت هو ما يحتاجه مقدار معين من الطاقة السببية الفاعلة ليكون كافيا في إحداث مقدار معين من التغيير في شيء ما. فالوقت شرط لازم يتحكم في كمية انتقال الطاقة السببية بين السبب والمسبب للوصول إلى النتيجة أي التغيير.

والخلاصة أن الزمن هو متوالية اللحظات الوقتية اللازمة لحصول حوادث التغيير السببية المتسلسلة، وماهيته غير مدركة لنا بالحواس مباشرة بل من خلال آثاره. لأن الوقت قيمة مقترنة بالطاقة السببية فلا فعالية سببية ولا تغيير بدون وقت ولا يدرك الوقت إلا بواسطة امتزاجه مع عملية التغيير السببي. والزمن ليس الحدث بل إن حصول الحدث التغييري يكون الزمن أحد لوازمه.
وبالتالي فإننا لا نستطيع الحكم على الزمن بأنه مادة أو طاقة أو غير ذلك، لأنه ليس بالضرورة أن ما يحس أثره أن يكون مادة أو خاصية للمادة كما نحس بوجود الروح في الجسم الحي من خلال آثارها وهي وجود طاقة الحياة في الأحياء التي تدفعها إلى الحركة والنمو والتكاثر وإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ووجود الله كذلك مدرك من آثاره في مخلوقاته ولكن ذاته غير مدركة، لذلك فإن بحث هل الزمن مادة أو خاصية للمادة، هو كبحث هل الروح مادة أم غير مادة وهذا ما لا أرى قضية للبحث أو أنه يجوز أن يبحث.

وقد كتبت موضوع الزمن بالاعتماد على الحقائق التالية:


- الوضع الأصلي في الأشياء هو حالة الاستقرار والسكون، وهذا يعني أن كل أشياء هذا الكون تميل للكسل وأقل قدر من الطاقة وتحاول مقاومة أي نشاط إلا جبرا عنها.
- التغير هو انتقال الشيء وتحوله من حالة معينة في الزمن الأول إلى حالة أخرى في الزمن الثاني. فالتغير هو حالة طارئة تحدث للأشياء.

- الأشياء تُلزم بالتحول ويتحتم عليها التغير إلى الحالة الجديدة بفعل قوة قاهرة تجبرها على هذا التغير، وعند انتهاء تأثير هذه القوة فإن الأشياء تعود إلى وضعها الأصلي (حالة الاستقرار).

- لا يحدث التغير في الأشياء إلا بأسباب معينة والسبب هو الشيء الذي يملك الطاقة السببية النشطة الفاعلة التي تجعله مؤثرا في غيره.

- الطاقة السببية هي حالة يكتسب الشيء الذي يحملها القوة الدافعة أو القدرة على التأثير والفعل والحركة والنشاط الفعّال وبذل الجهد، ويستطيع بها نقل الأشياء التي يؤثر فيها من حالة الكسل والاستقرار وتحويلها إلى حالة من النشاط والحركة والقدرة على التأثير للوصول إلى النتيجة (التغير).
- إن تصرف الأشياء الواقعة تحت تأثير الأسباب أي انفعالها يتناسب طرديا مع مقدار الطاقة المؤثرة التي ينتجها السبب، فكلما زادت الطاقة المؤثرة ازداد مقدار الانفعال، وكلما قلت هذه الطاقة قل مقدار هذا الانفعال أو التجاوب.


والله المستعان وعليه التكلان
يوسف الساريسي
موضوع قديم مقتبس من منتدى العقاب ورابطه :

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

مثال على منهجية البحث في المحسوسات والمغيبات


مثال على منهجية البحث في المحسوسات والمغيبات

 
السلام عليكم

أحد الأخوة في منتدى العقاب ذكر بأن العقل هو القلب في الصدر وليس الدماغ، وذلك كتعقيب في موضوع : "ما هو مصدر المعلومات السابقة"
فأجبته كالتالي:
هذه مسألة اختلف فيها العلماء الأولين بين قائل بأن العقل في القلب أو في الدماغ كما يقول أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

لكن ايها الإخوة أرى هناك مشكلة في منهجية البحث من حيث ما يطرحه بعض الإخوة حول هذه القضية.

منهجيتنا الصحيحة المتمثلة بطريقة التفكير المنتجة تقوم على أساس أن المحسوسات نحكم عليها من خلال البحث العقلي فيما يقع عليه الحس المسماة الطريقة العقلية في البحث، أما المغيبات فنحكم عليها من خلال الدليل النقلي أو السمعي المبني على فهم النصوص الشرعية باستخدام العقل واللغة، والخلط بين الأمرين يوجد إشكاليات لها أول وليس لها آخر.

فعند إرادتنا البحث في واقع التفكير والعقل لا نبحث عن ذلك في النصوص الشرعية، لأن النص الشرعي لم يأت لتعليمنا علوم الدنيا ابتداء بل جاء لبيان الشرعيات، وإن كان هذا لا يمنع من إشارة القرآن للعلوم لبيان نعمة الله ومنِّه وفضله علينا، لكن القرآن في الأساس ليس كتاب علم دنيوي وكذلك السنة النبوية المطهرة.

لذلك فبحث تعريف العقل والتفكير والمجتمع والإنسان وكذلك علوم الطب والهندسة والكيمياء والفلك وغيرها، كلها مردها إلى المحسوسات وبالتالي فالمنهجية المتبعة هي البحث تكون وفق الطريقة العقلية في البحث بنقل الحس بالواقع بواسطة الحواس ووجود معلومات سابقة تفسر هذا الواقع.

وعملية التفكير ليس أمرا مغيبا لنلجأ إلى الدليل النقلي لفهمها وإدراك واقعها فهذه منهجية مجانبة للصواب، والمنهجية الصحيحة أن عملية التفكير أمر محسوس ملموس، وحسب رأي حزب التحرير فهي تتكون من أربعة أمور هي: الواقع المحسوس، والحواس السليمة والدماغ الإنساني الصالح للربط والمعلومات السابقة. وعند غياب أي من هذه الشروط نجد خللا في التفكير.

أما القلب المعروف الذي يضخ الدم في الجسم فلا يظهر له أية صلة حسية بالتفكير ،وقد حدثت في العالم منذ عدة عقود عمليات جراحية لتغيير قلوب الكثيرين من المرضى وبقي تفكيرهم وعقلهم كما هو.

وعلماء الطب والتشريح يجزمون بشكل قاطع بأن التفكير مكانه الدماغ كمركز للجهاز العصبي ويتحكم الدماغ في كل انشطة الجسم من خلال الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ وجذع الدماغ وكافة اجزاء الجسم. فمن ناحية واقعية محسوسة الدماغ هو عضو التفكير وترتبط كافة الحواس بالدماغ من خلال الأعصاب وهو مكان تخزين المعلومات. لذلك فكل شروط التفكير موجودة في الدماغ.

أما بالنسبة لفهم ما ورد في النصوص الشرعية من ذكر للعقل والتفكير والقلب والنفس فلها طريقة مختلفة في البحث عن المحسوسات، فهي تفهم على أساس اللغة العربية وما قصده العرب من استخدام اللفظة. وقد كتب أحد الشباب بحثا موسعا عن معاني القلب والنفس في القرآن درس فيه جميع الآيات وحدد معانيها

وباختصار فالقلب في عرف العرب يطلق على أمرين على العقل والتفكير وكذلك على الوجدان والأحاسيس والمشاعر

يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في جواب سؤال بتاريخ 25/7/1970 ما يلي:
اما العقيدة فهي ما انعقد عليه القلب،  والقلب يطلق على العقل ويطلق على القلب المعروف ويراد منه في هذه الحالة الواجدان . ومعنى انعقاد القلب عليها هو احتواؤه لها وضمها اليه ضما كاملا واكيدا بارتياح . وهذا يعني ان يأخذ الوجدان هذه الفكرة ويشدها اليه ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم . فالاعتقاد اصله انعقاد القلب على موافقة العقل،  اي اصله التصديق الجازم من قبل القلب اي من قبل الوجدان ولكن شرط هذا التصديق الجازم موافقة العقل،  فاذا تم هذا الامران : التصديق الجازم من قبل القلب اي الوجدان،  وموافقة العقل لهذا التصديق،  فقد حصل انعقاد القلب اي حصلت العقيدة بمعنى حصل الاعتقاد
هذا هو واقع العقيدة - اي عقيدة- الا ان انعقاد القلب على افكار فرعية ليست اساسية لا يرتفع الى مستوى العقيدة،  لانه لا يتفرع عنها شيء، ولا يترتب عليها شيء،  ولذلك فانها لو اخذت في اول الامر التصديق الجازم ولكنها لا تلبث ان تخرج من دائرة الوجدان اما الى دائرة العمل واما الى الرفض لذلك فان القلب لا ينعقد الا على افكار اساسية يمكن ان يتفرع عنها ويمكن ان يترتب عليها شيء او اشياء،  ومن هنا كانت العقائد هي الافكار الاساسية،  واما الافكار الفرعية فلا تدخل ضمن العقائد

 فعند دراستنا لآيات القرآن نفهمها وفق دلالات اللغة العربية فعندما يقول الله تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها) وقوله (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) نفهم تفسير هاتين الآيتين من خلال اللغة العربية بأن المقصود بالقلب الذي يفقه والقلب الذي يعقل هو العقل لا الوجدان، أما قوله تعالى: (ولما يدخل الايمان في قلوبكم) ندرك أن معنى القلب هنا هو الوجدان أو الشعور الفطري المتولد من إثارة غريزة التدين.

والخلاصة أن دلالات القلب في النصوص الشرعية مختلفة وتفسر حسب السياق، لأن لفظة القلب من الألفاظ المشتركة التي تحمل عدة معاني في اللغة،  والقرآن استخدم هذه اللفظة وفق استخدام العرب لها بالمعاني اللغوية المذكورة.
والرابط كما يلي:
يوسف الساريسي
في 11/9/2012

الأربعاء، 29 أغسطس 2012

تلخيص نظري لأثر الصراع الحضاري على الحراك الثوري


تلخيص نظري لأثر الصراع الحضاري على الحراك الثوري

السلام عليكم ورحمة الله

لأجل وضع النقاط على الحروف، فقد قمت بتلخيص موضوع "الحراك الثوري والصراع الحضاري"  النشور في هذه المدونة سابقا، ليكون على شكل نقاط متسلسلة وذلك لابراز النقاط الهامة وعلاقتها فيما بينها. الهدف من ذلك هو أن يستطيع القارئ فهم الموضوع وتصوره دون تطويل.
وإليكم تلخيص الموضوع كما يلي:

1.    صراع الحضارات قائم بين الأمم المختلفة وهو صراع حتمي ومستمر، والصراع الحضاري بين الإسلام والرأسمالية يصعد ويهبط ولكنه لا يتوقف. والحضارة عابرة لحدود الدول.
2.    صراع الحضارات كان ولا يزال مستمرا في بلاد المسلمين، لأن الفكر الذي فرضه الاستعمار هو فكر رأسمالي مستورد وحضارة فرضت زورا على واقع حضاري مخالف، بالقوة الاستعمارية القاهرة والاستبداد والقمع والجبروت.
3.    البعد الحضاري في الصراع عامل يغفله الكثيرون رغم وجوده وتأثيره على أفكار الناس وتوجهاتهم وسلوكهم، وهو واحد من العوامل والأسباب الهامة المحركة للثورات. والنظر للأمور من زاوية الصراع الحضاري يجعل رؤية النتائج والمآلات أكثر وضوحا وحتمية.
4.    الحضارة الإسلامية انكمشت ثم ضعفت ولكنها لم تزول رغم هدم دولة الخلافة، وبقيت كامنة في فؤاد الأمة الإسلامية، واتجهت نحو الصعود خلال العقود الماضية.
5.    عمق تأثير الإسلام في الأمة الإسلامية جعلها تصارع حضارة الغرب بنفسها وأحزابها الإسلامية. وصراع الحضارات هذا كان موجودا قبل حدوث الحراك الثوري، وقد ازداد أثناء الثورات وبعدها.
6.    لقد بدأت الحيوية تدب في الأمة الإسلامية إثر الهزات العنيفة التي مرت بها الأمة، وعادت ثقة المسلمين بحضارة الإسلام، وبدأت مؤشرات ذلك تظهر من خلال حالة الصحوة الإسلامية ونشوء حركات إسلامية متعددة، وانحياز الرأي العام لمن يرفع شعار الإسلام. فكان لا بد من حدوث التغيير.
7.    هناك مؤشرات على انكماش الحضارة الغربية في بلادها، وانكماشها وتراجعها بشكل كبير في العالم الإسلامي، وقد استنفدت الحضارة الرأسمالية أغراضها في بلادنا، فكان لا بد من تحرك شعوب الأمة في صراعها لبقايا هذه الحضارة. لتحل محلها حضارة الإسلام.
8.    أحداث 11-9 -2001 وإعلان امريكا الحرب على الإرهاب ومشروعها الإمبراطوري في العالم كان إذكاءً وتسريعا للصراع الحضاري بين الغرب والمسلمين، وأدى إلى انحياز المسلمين نحو حضارتهم.
9.    التغيير يأتي من قبل الناس في نفوسهم أولا وكنتيجة سببية يغير الله ما بهم من حال رفضوه إلى حال جديد أرادوه، التغيير الحضاري يكون في العادة بطيئا لكنه يكون تغييرا أكيدا وعميق الجذور.
10. عندما لا يحدث التغيير طبيعيا وتبلغ الأمور حد التأزم عند طغيان الفساد، لا بد حينها من نبذ هذا الاختلال وإحداث التغيير، لأن سنة الله تقضي بسرعة هلاك الظالمين وعقوبتهم في الدنيا.
11. إحداث التغير بالثورة يأتي بفعل عوامل داخلية وخارجية كثيرة ومنها شدة الظلم والتجبر والفساد وفقدان الكرامة والحرب على فكر الأمة وهويتها وحضارتها.
12. الصراع التدافعي بين الأمة وحكامها بهدف إزالة الظلم والظالمين يحدث عند وصول الظلم والتجبر من الحكام إلى حد الأزمة المحرك للثورة. وهذه الثورة سنة ربانية تحدث بوجود أسبابها.
13. الحراك الثوري الهادف لإزالة ظلم الأنظمة، يعبر بشكل جلي عن السعي لهدم الأنظمة التي تمثل أذرع حضارة الغرب، وتعبر عن انحسار حضارة الغرب في نفوس المسلمين وسعي الأمة نحو البديل الحضاري الأمثل.
14. الحكومات العميلة لم تدرك طبيعة مرحلة الصراع التي تعيشها الأمة، وتظن أن قوتها العسكرية وأمنها ومخابراتها كافية لحماية عروشها في وجه غضب شعوبها.
15. غضب الشعوب وصل أوجه نتيجة لأسباب متعددة من أهمها شعورهم بالظلم والفساد وبجبروت الحكام وتخاذلهم أمام الدول الرأسمالية الظالمة وخذلان أهل فلسطين وغيرها من الأسباب، ولكنها شروط غير كافية لحدوث الثورة وهي بحاجة إلى اسباب هامة مثل وجود شرارة ورؤية لفكر بديل.
16. شروط الثورة كانت كامنة في تونس، وأضيف إليها صراع حضاري شديد بإعلان النظام البائد الحرب على الإسلام وحملة دعوته بالدعوة السافرة إلى العلمانية الملحدة وإغلاق المساجد والتضييق على مصليها ومحاربة الحجاب وغير ذلك من البلايا.
17. شرارة الحراك الثوري كانت من تونس لأن جرعة الصراع الحضاري بالإضافة إلى كافة أشكال الظلم فيها قد بلغ مبلغه، وتحرك الناس لوجود أفق للتغيير وفق رؤية حضارية بديلة عن حضارة الغرب.
18. كسرت الشعوب حاجز الخوف وكل الحواجز التي تقف في طريقها فحدثت الثورة، وكان حراكها بشكل جماعي وعفوي من قبل المسلمين في تونس، ثم انتقلت إلى البلدان المجاورة بتأثرها بثورة تونس ولوجود شروط كامنة للثورة فيها.
19. المرحلة التي نمر بها هي مرحلة تصفية الحكم الجبري الطاغوتي الظالم، وتكون فرصة الإسلاميين الوسطيين لتولي الحكم خلالها كبيرة ولكن الأمور حضاريا سرعان ما ستتجاوزهم، وسيتبعها حتما مرحلة حضارية جديدة هي مرحلة الخلافة الراشدة إن شاء الله.
يوسف الساريسي
في 28/8/2012

الخميس، 23 أغسطس 2012

لزوم المعلومات السابقة لعملية التفكير


السلام عليكم

هناك عدة أسئلة لا بد لنا من الإجابة عليها لفهم موضوع المعلومات السابقة ومنها الآتية:

لماذا يوجد أهمية للمعلومات السابقة في التفكير؟

كيف يتلقى الإنسان المعلومات السابقة؟

لماذا نحتاج المعلومات السابقة للتفكير؟

وللجواب عليها نذكر النقاط التالية:

1.       تعريف التفكير: نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة يفسَّر بواسطتها هذا الواقع.

2.       أحد الشروط الضرورية للتفكير اللازم لتفسير الواقع والحكم عليه، هو وجود معلومات سابقة تتعلق بالواقع، وبدون المعلومات السابقة لا يمكن تفسير الواقع وفهمه أي لتكوين معنى ذهني جديد لفهم الواقع والحكم عليه.

3.       المعومات السابقة عن الواقع لا تكون موجودة من خلال الإحساس بهذا الواقع، ولو كانت موجودة في ذات الواقع لما احتجنا أصلا إلى معلومات سابقة للقيام بعملية التفكير.

4.       أما كيف: فإنه من الواضح أن التفكير والمفكر بحاجة لتلقي هذه المعلومات من غيره للحصول على معاني تساعد في تفسير وفهم الواقع، ويتلقاها الإنسان ممن حوله بواسطة السماع أو القراءة أو الإشارة.

5.       المعاني عن الواقع هي غير الواقع المحسوس فهي معاني توجد في الأذهان، فإذا كانت في ذهن المفكر، ربطها بالواقع ففسرها وحكم عليها، وإذا لم تتوفر لديه هذه المعاني فوجب أن يتلقاها من غيره.

6.       الطريقة المعتادة لتلقي المعلومات السابقة التي عند غيره تكون بوسيلة معروفة هي اللغة، فيتلقى المفكر من خلال اللغة المعاني الذهنية اللازمة للقيام بتفسير الوقائع المبهمة الغامضة.

7.       أما لماذا: فلأن المعلومات السابقة المتعلقة بالواقع يتم الحصول عليها من خارج هذا الواقع المحسوس. ولا يمكن أن توجد في ذات الواقع بحيث يتم الحصول عليها بالإحساس والتجربة والمشاهدة لأنها ليست موجودة في الواقع، بل هي معاني توجد في ذهن المفكرين، ولا يجدها مخزونة في جزء من هذا الواقع.

8.       أما ما يجده الإنسان في الواقع فهو ما يحسه بحواسه بذات الأشياء وصفاتها فهي توجد معرفة حسية أو تمييزية للأشياء (انطباعات)، ولا تعطي الواقع المحسوس معرفة علمية فكرية كمعلومات سابقة لازمة للقيام بعملية التفكير.

9.       المعلومات السابقة التي تتشكل من المعاني الذهنية في الدماغ هي نماذج فكرية معروفة سابقا لدى الدماغ يقوم من خلالها بتحديد هوية الشيء المحسوس.

10.   يحتاج الدماغ إلى تكوين نماذج فكرية للأشياء لينتج معنى يعرف به كل كيان جديد ويعطيه هوية جديدة.

11.   الهوِّية تتشكل عندما يسمي الدماغ الأشياء بتحديد أجزاء معينة وربطها معا وإعطائها وصفا كيانيا أي هوية خاصة (اسم جديد).

12.   يميز الدماغ بين الكيانات المختلفة من خلال تجريد معاني مشتركة ومختلفة بينها ويحاول تكوين نماذج فكرية مجردة يختزنها في الذاكرة.

13.   تتم عملية تحديد هوية الأشياء من خلال قيام الدماغ بعملية تبويب وتصنيف لها حسب المعاني العامة المشتركة بين الأشياء.

14.   المعاني العامة المشتركة بين الأشياء هي مسميات ذهنية معينة قد تتعلق بالصفات والخواص كالشكل أو اللون أو الثقل أو الرطوبة أو الحرارة أو قد تتعلق باللوازم أو الارتباطات بالظروف المحيطة أو الشروط اللازمة لوجود الأشياء أو قد تتعلق بماضي الأشياء وبعملية تغيرهذه الأشياء وانتقالها من حال إلى حال جديد في المستقبل وغير ذلك.

15.   معاني الأشياء هي ارتباط ذهني في الدماغ بين اسم الشيء ومسماه بحيث يشكل ذلك نموذجا فكريا مخزونا في الدماغ.

16.   بما أن المعنى يتعلق باسم الشيء واسم مسماه، وهذا الاسم والمسمى لا يمكن أن يوجد لا في الواقع ولا في الدماغ ابتداء، كان لا بد من الحصول عليه بالتعلم والتلقي من الغير. وبدون ذلك فلا وجود لمعاني ذهنية ولا لمعلومات سابقة عن الواقع.

17.   المعنى الذهني المشترك بين الأشياء هو اساس عملية الربط الفكري في الدماغ وهو أساس التشبيه والقياس العقلي، فمسمى الحرق مثلا يرتبط بالحرق المتولد من النار الناتجة من احتراق الخشب والفحم والبنزين والسولار والكاز والغاز والفحم الحجري إلخ ، فلو ادركنا احتراق الخشب يمكننا استخدام معنى الحرق من خلال مادة أخرى تحمل نفس المسمى أي نفس المعنى كالغاز والبنزين ويمكننا تغيير الواقع مستقبلا بتصور التأثير الذي يحدث في صفات الأشياء من خلال استخدام معنى الحرق.

هذه النقاط المذكورة أعلاه هي ما أراه الآن مناسبا لفهم موضوع المعلومات السابقة وعلاقتها بالتفكير

ويمكننا من خلال النقاش والحوار التحسين التطوير والزيادة عليها بما يتناسب مع أهمية الموضوع.

والله تعالى أعلى وأعلم
الرابط في منتدى العقاب كما يلي:
http://www.alokab.com/forum/index.php?showtopic=1830&#entry11096

الأحد، 12 أغسطس 2012

الربط الاسترجاعي والربط الذكي في الدماغ

الربط الاسترجاعي والربط الذكي في الدماغ


يستخدِم الدماغ في عملية التمييز الغريزي التي تجري عند الإنسان والحيوان بعض "قوانين عمليات الدماغ" والتي هي مفطورة في هذا الدماغ، ومنها القدرة على تخزين الإحساس في الذاكرة واسترجاعه. ويتفوق الإنسان على الحيوان بكون عملية أن الدماغ لديه صالح للربط بمعنى أن الربط لديه يشمل استخدام جميع "قوانين عمليات الدماغ" وخصوصا قدرته على تكوين النماذج الفكرية أي تركيب معلومات جديدة من المعلومات السابقة وتذكرها.

إن تعلم الأطفال اللغة الأولى يحدث بدون الحاجة إلى معلومات سابقة أي بدون عملية تفكير، وذلك بالاعتماد على بعض "قوانين العمليات الدماغية" ومنها عملية الربط الاسترجاعي. فيستطيع الطفل بواسطة عملية الاسترجاع بوجود خاصية الربط في دماغه واستخدام جميع العمليات الدماغية إلى درجة ما، أن يُكوّن "معلومات" معينة من مجموع ما يحسه وما يسترجعه من إحساسات فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية، فيعرف من تكرار إعطائه التفاحة والحجر، أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل، ويعرف من تكرار المشاهدة قدرة الخشب أن يعوم فوق الماء.

وباستخدام عملية الربط الاسترجاعي يعرف من تكرار سماعه لكلمة حجر أو لفظة تفاحة مثلا مقترنة كل كلمة بإحساسه بعين الشيء، أن هذا الشيء اسمه حجر وذاك الشيء الآخر يسمى تفاحة، فيحصل لديه ربط بين الأشياء وأسمائها. ويعرف كذلك إنه إذا سمع بكلمة "ألم" مقترنة بإحساسه بالألم من جرح السكين أو من حرق النار أو من ضرب الوالد له، عرف معنى الألم المقترن بتكرار اللفظ المشترك الجامع لهذا المعنى. ويعرف من حنو ورحمة أمه وأبيه عليه ورعايتهما له وما يحسه كذلك من نفس المعاملة من أقاربه يعرف معنى كلمة "المحبة" عند اقتران ذلك التصرف مع لفظة مشتركة هي الحب، وهكذا يبدأ بتحصيل اللغة بربط الألفاظ بالمعاني التي يتصورها آنذاك، أي ربط الأسماء بالمسميات.

وبعد تحصيل ثروة لغوية كافية من الأسماء والمسميات، يصبح مالكا للوسيلة اللازمة أي اللغة لتلقي المعلومات السابقة ويصبح جاهزا للتفكير. وبتلقي الإنسان معلومات سابقة ممن حوله بواسطة اللغة متعلقة بواقع معين فإنه عند إحساسه بهذا الواقع يقوم بعملية التفكير فيه أي إنتاج الفكر بالحكم عليه، وهذه العملية تخضع لقوانين عمليات الدماغ بما نسميه عملية الربط الفكري التي هي جوهر التفكير.

فما هو واقع عملية الربط هذه والتي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟ ولكن قبل الإجابة لا بد من توضيح الفرق بين أنواع المعلومات أو المعرفة التي يحصل عليها الإنسان بحواسه:

1- معرفة حسية (حس فقط): تأتي مباشرة من الإحساس بوجود الأشياء وبعض صفاتها والظواهر المرتبطة بها وهي قطعية
2- معرفة تمييزية استرجاعية (حس وربط استرجاعي فقط): تأتي من تفاعل الحس بقوانين عمليات الربط الدماغية واسترجاعها وهذه المعرفة على شكلين:
ا- طبيعية فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية فيعرف أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل.
ب- تقليد ومحاكاة ما يحس به في الأمور غير المتعلقة بالغريزة بتكرار الإحساس والاسترجاع، فالأطفال باستخدام جميع قوانين العمليات الدماغية يستطيعون تعلم اللغة الأولى في حين لا يستطيع الحيوان ذلك لفقدان دماغه بعض قوانين العمليات الدماغية المتطورة.
3- معرفة علمية فكرية (حس وربط ومعلومات سابقة): تأتي من تفاعل الحس مع معلومات أسبق منها بقوانين عمليات الربط الدماغية لتركيب معرفة جديدة منها كتعلم الكتابة والقراءة ولغة ثانية.

وهنا يرد سؤال وهو هل يمكن تكوين معرفة علمية بدون معلومات سابقة بواسطة الربط الاسترجاعي فقط؟

إن المعرفة الناتجة من عملية الربط الاسترجاعي لا توجد علما بل معرفة تمييزية، فيستطيع الإنسان من التفاعل بين الحس وقوانين عمليات الربط الدماغية أن ينتج معرفة أولية تمييزية، يعرف بها ما يشبع جوعاته وينفعه ويعرف ما يجب أن يتجنبه مما يضر وما لا يشبع طاقته الحيوية. ولكن هذه المعرفة لا يمكن أن تتطور إلى معرفة علمية تصلح للتفكير الذكي لفقدانها معلومات أساسية تتعلق بمعلومات أساسية عن الواقع المراد التفكير فيه لتكوين معنى جديد لتفسير هذا الواقع، أي أن التفكير في واقع معين بحاجة إلى نماذج معرفية فكرية تتعلق بهذا الواقع وليس إلى مجرد معرفة تمييزية أو إلى مطلق معرفة عن أي شيء آخر، وذلك مثل تعلم كتابة السريانية وقراءتها والتي هي بحاجة إلى المعلومات السابقة عن هذه اللغة وشكل أحرفها وربط ذلك بكيفية لفظ هذه الأحرف وكلماتها وجملها.

فمن أين تأتي النماذج المعرفية الفكرية (المعلومات السابقة) التي تتعلق بالواقع المراد التفكير فيه؟

إن المعلومات السابقة عن واقع معين والتي لا يملكها دماغ الإنسان ابتداء، ولا يمكن أخذها من عملية الربط الاسترجاعي، بل لا بد أن تأتي من غيره بالتلقي والتعلم، ولكن هذين الأمرين يحتاجان إلى واسطة تصلح لاحتواء المعاني المطلوبة أي المعرفة العلمية ويمكن تناقل هذه المعرفة بين البشر، ونعلم أن هذه الواسطة الصالحة هي اللغة كما ذكر سابقا. فيستطيع الطفل باللغة أن يتعلم ويتلقى المعرفة العلمية البسيطة ويبدأ بربط هذه المعرفة الجديدة بالمعرفة الأولية التمييزية التي لديه أي من المعاني اللغوية البسيطة التي يملكها بالربط الاسترجاعي، وذلك للبناء عليها من خلال تركيب معاني متطورة ومعقدة من مجموع معاني أبسط منها يملكها سابقا، أي يستطيع تكوين نماذج فكرية متطورة يخزنها في الدماغ في ملف فكري يعرِّفه بهوية جديدة من خلال اسم لغوي تلقاه من غيره أي ممن حوله، وهذه المعاني الجديدة المركبة من معاني أسبق منها نسميها المعلومات أو المعرفة الفكرية.

وهكذا نرى كيف تتم عملية تشكيل وبرمجة فكر الطفل بواسطة اللغة، فلولا اللغة لما استطاع الإنسان القيام بعمليات التفكير الذكية لأنه لا يمكنه الحصول على المعلومات السابقة اللازمة للتفكير الذكي إلا باللغة.

وهنا نعود للجواب عن السؤال حول واقع عملية الربط الذكي التي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟     
      
عملية الربط الفكري

للجواب عن السؤال السابق حول "ما هو واقع عملية الربط الفكري التي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟" يكون الشرح والتفصيل كما يلي:

إن تعريف عملية التفكير كما وردت في كتاب "التفكير" للشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى وأثابه وجزاه خير الجزاء، هي كما يلي:

(وعلى ذلك فإن الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى معرفة معنى العقل معرفة يقينية جازمة هو أنه لا بد من وجود أربعة أشياء حتى تتم العملية العقلية أي حتى يوجد العقل أو الفكر. فلا بد من وجود واقع، ولا بد من وجود دماغ صالح، ولا بد من وجود حس، ولا بد من وجود معلومات سابقة. فهذه الأربعة مجتمعة لا بد من تحققها جميعها وتحقق اجتماعها، حتى تتم العملية العقلية، أي حتى يوجد عقل أو فكر أو إدراك.
وعليه فالعقل أو الفكر أو الإدراك هو: نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة يفسَّر بواسطتها هذا الواقع.)

ونلاحظ من هذا التعريف أن جوهر عملية التفكير هو التفسير، أي أن التفكير يعني تفسير الواقع. فما هي حقيقة التفسير؟

التفسير: هو جمـــع ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه، أي أنه لفظ ظاهر وواضح وفصيح بيين معنى لفظ غامض، ويفهم منه مراد المتكلم ودافعه وقصده، أو التفسير يأتي بمعنى التأويل أي توقع نتيجة الأمور. وما ينتج من التفسير أنه يزيل الخلط والتمويه والتستر والحيرة والاشتباه والتشكك في النفس. وبكلمات أخرى فإن التفسير يعـنـي وجود واقع غامض ومشكل ومحير في الذهن، يراد إظهار وتوضيح حقيقته ومعناه وما ينتج عن الانتفاع به بمقارنته بما يشبهه من الأمور الواضحة. إذن فخلاصة التفسير تقتضي أن يتم الجمع (الربط) بين معنى واقع فيه إشكال بمعنى آخر متصور في الذهن لا إشكال فيه.

أما واقع المعنى: فهو ظهور ووضوح صورة شيء ما في الذهن. ويتم إظهار المعنى بتمثيل الشيء الغامض بشيء آخر يشبهه يكون واضحا ومعروفا متصورا في الذهن، ووجه الشبه بينهما يكون باشتراكهما في صفة أو مظهر شكلي أو شروط محيطة ... وغير ذلك.

فنلاحظ هنا أن التفسير هو ربط بين معنى واقع معين فيه إشكال بمعنى آخر متصور في الذهن لا إشكال فيه. وهذا بالضبط ما نلاحظه من فهمنا لواقع عملية التفكير إذ إن المسألة هي في جوهرها هي عملية ربط فكري. يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في كتاب التفكير: "بل الذي يدل على أن هناك عقلاً أو فكراً، ويكون عملية عقلية حقاً، إنّما هو الحكم على الأشياء ما هي، والحكم على الأشياء ما هي لا يتم إلاّ بعملية ربط. وربطٌ بمعلومات سابقة. ومن هنا كان لا بد من وجود معلومات سابقة لأية عملية ربط حتى يوجد العقل أو الفكر، أي حتى تكون العملية العقلية".

ومن ذلك نستنتج أن معنى التفكير هو التفسير وهو عملية الربط الفكري الذكي في الدماغ، وهذه العملية تتم كالتالي:

الواقع الخارجي: أمر محسوس غامض في الذهن لا معنى له. (يوجد حيرة وتشكك والتباس في النفس)
النتيجة المطلوبة: فهم الواقع بإظهار وتوضيح صورته في الذهن.
الكيفية: ربط هذا الواقع بـنماذج فكرية لها معنى وواضحة في الذهن (معلومات سابقة) بإيجاد المشترك والشبه بين الواقع الغامض وواقع آخر واضح. ويتم ذلك باتباع الخطوات التالية:

1. تحليل الواقع الغامض إلى أجزاء بسيطة أي فكفكة وإزالة الروابط بين أجزاء هذا الشيء
2. استحضار أمور لها معنى واضح في الذهن من الذاكرة تشبه وتشترك مع الأجزاء المفككة في صفة أو مظهر شكلي أو شروط محيطة...الخ.
3. تجميع الأجزاء التي أصبحت واضحة في الذهن أي إعادة تركيبها بإيجاد روابط تجمعها معا كرابطة الاشتراك أو رابطة السببية أو غيرها.
4. إنتاج وتشكيل نموذج فكري ذي معنى جديد واضح في الذهن لهذا الكيان المترابط (الحكم على الواقع)

ومن ما ورد أعلاه نستطيع استخلاص واقع عملية الربط الفكري بالقول:

الربط الفكري هو تفسير واقع محسوس غامض ليس له معنى في الذهن بتوضيح صورته من خلال عملية تحليل هذا الشيء إلى أجزاء أبسط لها نماذج مشابهة وواضحة يعرفها الدماغ (معلومات سابقة) ثم تركيب هذه الأجزاء بربطها معا ككيان واحد لتشكيل نموذج ومعنى جديد لهذا الواقع

أمثلة:
ولنأخذ بعض الأمثلة للتوضيح الموضوع وهي نموذجان (مضخة مائية وسيارة) ولدينا هنا واقع يراد الحكم عليه لمن لا يعرفه، وفق الطريقة العقلية بالربط الفكري لتفسير كل من الواقعين:

المثال الأول (مضخة ماء):

لنفترض أنك لا تعرف ما هي مضخة الماء ونرى كيف يتم التفكير بها والحكم عليها بتفسيرها بالربط الفكري من خلال التحليل والتركيب. فنقول إن مضخة الماء هي آلة تستخدم لرفع الماء من مكان منخفض إلى منسوب أعلى بسرعة. وهذا هو المعنى والنموذج المراد تشكيله في الدماغ.

ونبدأ بتحليل هذا الشيء وهو المضخة إلى الأجزاء المكونة لها وهي: أنبوب شفط داخل مجمع مياه، أنبوب مخرج متصل بأنبوب آخر لتوصيل المياه إلى المكان البعيد ذو المنسوب الأعلى، محور دائري من الحديد، مروحة ذات فراشات، جسم حديدي مجوَّف لولبي، محرك يولد عزم دوران.

أما الأمور التي لها معنى واضح في الذهن تشبه وتشترك مع الأجزاء المفككة فهي قضيب طويل يشبه المحور الدائري، مروحة تدفع الهواء ذات فراشات، قشرة حيوان الحلزون ذات الشكل اللولبي، أنبوب أو ماسورة مجوفة واسطوانية طويلة، بئر ماء غائر في الأرض، خزان مياه فوق جبل.

ولفهم المعنى النموذجي للمضخة لا بد من تجميع الأجزاء التي هي واضحة في الذهن أي إعادة تركيبها بإيجاد روابط تجمعها معا، وذلك يكون بتصور المعنى العام أي الهدف من المضخة بما يشبهه، مثل تصور بكرة فوق بئر ماء يلقى الدلو إلى الماء في الأسفل ليملأ ثم يسحب بالحبل (السبب) ليرفع الماء إلى الأعلى بواسطة الدلو ويصب في وعاء أكبر حوض ماء.

ولتركيب صورة آلة رفع الماء أي المضخة فإن أنبوب الشفط داخل بئر الماء يكون غاطسا في الماء كما يغطس الدلو، ثم يرفع الماء إلى أعلى بفعل دوران فراش المروحة كما تدور البكرة حول محورها. والذي يدير البكرة هي قوة يد الإنسان فيما يدير مروحة المضخة حول محورها محرك يعطيها القوة اللازمة للدوران. ويدفع الماء الواصل إلى تجويف جسم المضخة الحلزوني إلى الأنبوب الخارج من المضخة بقوة بواسطة طاقة دوران المروحة، فيندفع الماء في الأنبوب المتصل بمخرج المضخة ليصب أخيرا في حوض كبير أي خزان للمياه.

وبهذا الربط وتركيب المعاني البسيطة معا يتم إنتاج وتشكيل نموذج فكري ذي معنى جديد واضح في الذهن لهذا الكيان المترابط وهو مضخة رفع الماء وهذا المعنى الجديد هو الحكم الذي أصدره العقل وفسر به واقع وحقيقة مضخة الماء. وتم تخزين هذا المعنى للمضخة في ملف جديد في الذهن باستخدام مصطلح جديد اسمه "مضخة الماء"، أي وجد نموذج في ذاكرة الدماغ يتم تذكره واسترجاعه لاحقا من هذه الذاكرة لتركيب معاني أخرى جديدة بالاستناد إلى هذه المعلومة التي ستصبح معلومة سابقة لغيرها. وذلك مثل تصور معنى جديد لإسم جديد هو "التوربين" الذي يولد الطاقة الكهربائية من شلال المياه. ويتم ذلك بعكس مفهوم ومعنى المضخة التي هي الآن معلومة سابقة في النموذج الفكري المتصور بصورة واضحة في الذهن.

المثال الثاني (السيارة):

وهي وسيلة تهدف إلى نقل الناس والبضائع من مكان لآخر بسرعة وراحة (المعنى هنا هو الهدف) والأجزاء الأساسية في السيارة هي عجلات ومحرك وحامل أساسي للأوزان وروابط بينها وما يتعلق بذلك من طاقة لازمة للمحرك والتحكم في سرعته وتوقيفه وسيطرة على اتجاه العجلات.

عملية تحليل الأجزاء إلى نماذج ذهنية لها معاني معروفة (معلومات سابقة): عجل دائري وعملية حركته الدورانية إلى الأمام، حصان يجر شيئا خلفه بقوة، كرسي يجلس عليه شخص، وعاء يحتوي البضاعة، باب، زجاج، قضيب دائري، حامل حديد، كابح احتكاك، ضوء، مسامير وبراغي ومرابط لربط الأجزاء المختلفة...الخ

عملية التركيب: ربط العجلات بقضبان دائرية وجلوس الحامل الرئيسي من الحديد فوقها بروابط ملائمة ثم حملها للكراسي ووعاء البضائع بروابط ملائمة ثم جلوس الركاب عليها. وتصور المحرك الدافع للأمام وحاجة المحرك إلى طاقة دافعة من الوقود وتصور سائق ويتحكم في بدء الحركة والسرعة والوقوف والاتجاه. فيتشكل النموذج الجديد في الذهن لـ "اسم" جديد هو "السيارة" ويتشكل "مسماه" أي معناه أو هدفه وهو وسيلة نقل الأشخاص والبضائع من مكان إلى آخر بسرعة وراحة. وبذلك تم تفسير واقع السيارة هذا والحكم عليه وإيجاد نموذج له في ذاكرة الدماغ يتم تذكره واسترجاعه لاحقا لتركيب معاني أخرى جديدة.

وإذا كان هناك جزء من أجزاء السيارة بعد تحليلها ليس له نموذج معروف المعنى (معلومة سابقة) كالمحرك مثلا، فإنه يجب أن تتم عملية تشكيل نموذج جديد له أولا، وذلك من خلال تصور عملية سحب الحصان للعربة ودوران عجلاتها خلفه إلى الأمام باندفاع سريع، ثم تصور المحرك كبديل لجر الحصان وذلك بتصور أن دوران العجلات يتسبب عن دوران المحرك ونقله الحركة إلى هذه العجلات من خلال روابط ناقلة ملائمة. ليتم تكوين معنى جديد لمسمى المحرك ويختزن في الدماغ تحت ملف جديد اسمه المحرك أو الموتور فتتشكل منه معلومة سابقة.

تم نشر الموضوع في منتدى العقاب في شهر 1/2006 والرابط كما يلي:

والسلام عليكم

العلاقة بين التفكير واللغة

العلاقة بين التفكير واللغة


استكمالا لموضوع "قوانين التفكير" ولأجل تطوير الموضوع وللإجابة على السؤال الرئيس:
هل البديهيات هي معلومات سابقة علمها الله لسيدنا آدم أم هي معلومات أولية مفطورة في الدماغ البشري ؟

فلا بد من التأكيد هنا مرة أخرى قوانين التفكير هي تلك الضوابط التي تتحكم في عملية إنتاج الفكر أي تسيطر على ”خاصية الربط" ذلك أن عملية التفكير بمجملها تجري وفق علاقة السببية بين طرفين يتم ربطهما معا هما:

1. السبب وهو (الواقع المحسوس المنقول إلى الدماغ)
2. المسبَّب وهو (الفكر المنتج أو الحكم الصادر)

وهذه العلاقة لإنتاج الفكر لا بد أن تجري وفق قوانين وسنن معينة تتحكم وتسيطر على عملية الإنتاج أي للوصول إلى الحكم على الواقع وقد تم تسمية هذه القوانين بــ "قوانين التفكير".

وبعد التفكير والتدبر فقد غلب على الظن أن هذه القوانين أي "قوانين التفكير" يجب أن تكون ذاتية في الدماغ وليست مكتسبة بالتعلم لأنها ليست معلومات سابقة ولا هي جزء من الواقع الخارجي المنقول إلى الدماغ، لذلك فهي مفطورة في الدماغ ويكون الدماغ من خلال استخدامها صالحا للربط بين الواقع المحسوس والمعلومات السابقة وقادرا على القيام بالعملية الفكرية أي إنتاج الأفكار.

لكن الدماغ لا يستطيع أن ينتج الأفكار سواء البديهية أو ما يبنى عليها إلا بأمرين هما المعلومات السابقة والواقع المحسوس.
أما المعلومات السابقة فهي لازمة من خلال ملاحظة القانونين رقم 1 و2 من قوانين التفكير وهما:

1. الهوِّية: يسمي الدماغ الأشياء بتحديد أجزاء معينة وربطها معا وإعطائها وصفا كيانيا أي هوية خاصة.
2. يعطي الدماغ لكل كيان معنى يتعلق به كالإنسان والقمر والفيل ويحدد صفات هذا الكيان مثل الشكل واللون والثقل والرطوبة والحرارة ويحدد لوازمه وارتباطاته بما حوله (شروط).

ووفق القانون الأول لا بد للكيان الذي يحس به الدماغ من "اسم"، ولا بد وفق القانون الثاني للاسم من معنى يرتبط به أي "مسمى".
وهذا الربط بين الاسم والمسمى لا بد له من واسطة أو أداة تستخدم وهي "اللـــغـــة".

وواقع اللغة أنها ألفاظ وضعت بإزاء معاني معينة، أي لفظ (اسم) ارتبط واقترن في الذهن بمعنى معين "مسمى". فأي معنى لشيء محدد يتصوره الذهن لا بد أن يخزنه في الدماغ في ملف معين تحت اسم يعرفه ويستطيع تذكره واسترجاعه لاحقا مع كل ما يتعلق به من صفات وخاصيات وشروط ولوازم تتعلق بما حوله كلها يحتويها الملف ولها هوية خاصة يعرفها الدماغ من خلال الاسم، فالاسم الملف هو الهوية للشيء.

واللغة لا تتعلق بالفرد وحده بل تتعلق بالمجموعة البشرية أي نظام المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ذلك أن الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له أن يحيى ويعيش مع غيره من بني الإنسان ليستطيع قضاء حوائجه وتحقيق أهدافه وهذه لا تتم إلا بالتعاون مع غيره. والحياة والتعاون مع الناس لا بد لها من وسيلة يعبر فيها كل واحد من الأفراد عن ما يجيش في عقله من معاني وما يريد أن يحقق من رغبات ليستمر عيشه ويتم تحسينه، وهذه الوسيلة هي (اللــغـــة). لذلك فإن تسمية الإنسان بأنه حيوان ناطق ليست بعيدة عن الصواب لأن عملية التفكير لدى الإنسان والتواصل مع غيره يلزمها النطق والكلام أي اللغة.

والخلاصة أن اللغة شرط في عملية التفكير وهي أداة وواسطة يتم بها ربط معنى معين في الدماغ بهوية ملائمة من خلال لفظ محدد يتعلق بهذا المعنى هو "الاسم"، فاللغة هي وعاء الفكر.وهي ليست جزءا منه.

هل اللغات توقيفية أم اصطلاحية ؟

اختلف المتكلمون حول مسألة هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية وانقسموا فريقين، فمنهم من اعتبرها توقيفية لأن الله علم آدم الأسماء كلها أي علمه اللغات، ومنهم من اعتبرها اصطلاحية كما رأوها من واقع اللغات في وقتهم وفسر هذا الفريق تعليم الله لآدم بأن علمه مسميات الأشياء وليس اللغة. وكلا الفريقين مصيب من جهة ومخطئ من جهة أخرى ومكمن الخطأ آت من اعتبارهما اللغات جامدة لا تتطور مع الزمن.

نستطيع أم نفهم من آيات سورة البقرة حول استخلاف آدم عليه السلام، أن الله تعالى علم آدم عليه السلام أسماء الأشياء مقرونة ومربوطة بمسمياتها أي علمه لغة معينة وأعطاه معلومات سابقة لازمة له ليفكر، أي علمه لغة أولى هي أم جميع اللغات البشرية، ثم افترق الناس في الأرض إلى شعوب وقبائل. واختلفت الألسن التي يتكلمون بها بسبب أن طبيعة اللغة البشرية أنها متغيرة ومتطورة كما هو حاصل بالنسبة للغة العربية وكيف تطورت منها اللغات العامية التي نراها الآن، وكذلك كيف تفرعت اللغة اللاتينية إلى اللغات الإيطالية والأسبانية والبرتغالية وهكذا، وهذا دليل على تطور اللغات البشرية عبر الزمن. ولهذا فإن الصحيح الذي يغلب على الظن أن اللغات ليست توقيفية من الله بل هي اصطلاحية يصطلح كل قوم على لغة مشتركة يتخاطبون بواسطتها فيما بينهم وجميع هذه اللغات متطورة عن لغة آدم الأولى التي علمه الله إياها.

وهناك سؤال يسأل: وهو هل يحتاج تعلم اللغة إلى معلومات سابقة؟

حتى نجيب على هذا السؤال فإننا يجب أن نفرق هنا بين تعلم الطفل لغة أولى، وبين تعلم الكبير لغة ثانية.

فالمشاهد أن الإنسان البالغ العاقل عندما يبدأ بتعلم أي لغة ثانية فإنه يستند قطعا إلى المعلومات السابقة التي لديه من لغته الأم أي يتعلمها بواسطة الفكر والعقل، ويستند في تعلم اللغة الجديدة إلى قواعد وأسس لغته الأولى أو ما يسمى باللغة الأم التي شكلت تفكيره وبرمجته، والتي هي أساس ووعاء فكره وتصوره للمعاني. فإذا ذكرت أمامه كلمة باللغة الجديدة فإنه يفهمها حين تترجم له بأن تقرن بكلمة يعرف معناها في لغته الأم، ثم يقوم بربط المعنى من لغته بالكلمة الجديدة وفق ما يتصوره من معنى محدد لها في لغته الأم إلى اللغة الجديدة. وقد يكون المعنى قريبا ولكنه لا ينطبق تمام الانطباق، لذلك فإننا نلاحظ أن غالب من يتعلم أية لغة بعد سن البلوغ فإنه لا يمكن أن يتقنها بشكل تام كأهلها مهما بذل من عناية، لأن اللغة الأولى هي التي شكلت تفكير الإنسان من الأساس ابتداء وبها يتصور المعاني الذهنية. وبسبب وجود الاختلاف بين اللغات في التعبير عن المعاني الذهنية، فإن الترجمة مهما سمت لا تستطيع التعبير بدقة عن نفس المعاني في اللغات المختلفة، ولذلك كانت ترجمة القرآن لفظا ومعنى عملا مستحيلا.

أما كيف يتعلم الطفل الصغير اللغة الأولى وهل يحتاج إلى معلومات سابقة ليتعلم هذه اللغة؟
أن الطفل يولد ابتداء خاليا من أي علم أو أية معلومات سابقة لذلك لا يستطيع التفكير وإن امتلك الدماغ الذي فيه صلاحية بدائية للربط لأن الدماغ يكون حينئذ غير مكتمل، وحتى يستطيع أن يكون قادرا على التفكير فهو بحاجة إلى تلقي وتعلم المعلومات السابقة من غيره بواسطة اللغة، فاللغة شرط في التلقي والتعلم حتى يستطيع أن يفكر، وهذا الطفل لو كبرت سنه وبلغ عشرين سنة، ولم يأخذ أية معلومات، فإنه يبقى كأول يوم، يحس بالأشياء فقط ولا يدركها مهما كبر دماغه ولكن إذا أعطيناه اسم كل منها تجاه واقعه، أو تجاه صورة الواقع، وربطناه بها فإنه يصبح قادرا على التفكير، فكيف يتعلم الطفل اللغة إذن؟

إن دماغ الإنسان فيه خاصية ربط المعلومات واسترجاع الإحساس. فيمكن للإنسان في ما يتعلق بالغرائز بتكرار الإحساس أن يسترجع الإحساس، ويمكنه بخاصية الربط أن يُكوّن من مجموع ما يحسه وما يسترجعه من إحساسات، معلومات، وأن يسترجع هذه الإحساسات بمعلوماتها فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية فقط وهو يشبه في هذا العمر الحيوان، لكن دماغ الحيوان لا توجد فيه خاصية ربط المعلومات، وإنّما عنده تذكّر الإحساس والتمييز الغريزي. فأنت إذا ضربتَ الجرس وأطمعت الكلب عند ضرب الجرس، فإنه إذا تكرر ذلك يفهم الكلب إذا قُرع الجرس أن الأكل آتٍ ولذلك يسيل لعابه، أمّا ما لا يتعلق بالغريزة فلا يمكن أن يقوم به الحيوان طبيعياً إذا أحسه، ولكن إذا كُرر هذا الإحساس واسترجعه فإنه يمكن أن يقوم به تقليداً ومحاكاة وليس قياماً طبيعياً.

والمشترك بين دماغ الحيوان والإنسان هو وجود بعض "قوانين عمليات الدماغ" التي يستطيع باستخدامها أن يقوم ببعض العمليات الذهنية بدون الحاجة إلى المعلومات السابقة خصوصا فيما يتعلق بإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ويستطيع الحيوان بهذه القوانين الربط بين إحساسه بحصول حدث معين كقرع الجرس بالتزامن أو التتابع مع حدث آخر كحضور الأكل إذا تكرر، أن يقرن الدماغ إحساسه بالحدثين ويخزن ذلك في ذاكرته ويستطيع أن يسترجع الدماغ إحساسه السابق بالحدث الثاني الأكل إذا أحس بالحدث الأول قرع الجرس، وهذا هو الاسترجاع. أما دماغ الطفل فهو أقدر من دماغ الحيوان على لأن فيه بجانب القدرة على استرجاع الإحساس بشيء إذا اقترن بشيء آخر القدرة على الربط.

والفرق بين التفكير والتمييز الغريزي يكون في أن التمييز الغريزي عند الحيوان والإنسان يقتصر استخدام الدماغ فيه على بعض "قوانين عمليات الدماغ" والتي هي مفطورة في هذا الدماغ ومنها القدرة على تخزين الإحساس في الدماغ واسترجاعه، في حين أن التفكير في الدماغ الصالح للربط عند الإنسان يستخدم بجانب قوانين الإدراك الشعوري جميع "قوانين التفكير" وخصوصا قدرته على تكوين النماذج الفكرية أي المعلومات السابقة وتذكرها والربط بينها وبين الواقع المحسوس والحكم على الواقع من خلال تحليله إلى أجزائه والتي لها معلومات سابقة في الدماغ ثم ربطها وتركيب أجزائها من جديد وتكوين نموذج ذي معنى في الذاكرة.

لذلك يعتبر الأساس في تعلم اللغة الأولى عند الأطفال هو الربط الاسترجاعي بين اقتران إحساسه بشيء ما وتكرر ذلك مع إحساسه بالشيء الآخر. فيستطيع دماغ الطفل تعلم اللغة من خلال الربط بين صوت الأم والإحساس بحصول حدث معين. فبسماع أصوات الناس الذين حوله واقتران الصوت أي الكلمة أو الجملة المعينة مع شيء أو حادثة يحس بها بالتزامن مع الكلام، وبتكرار سماعه نفس الكلام المقترن مع نفس الإحساس يربط في دماغه الشيء أو الحدث مع الكلام. وهكذا يبدأ الربط اللغوي بين الصوت والحدث لدى الطفل ويصبح قادرا بنفسه مع الزمن على استرجاع الأصوات أو تذكر الكلام والأسماء التي تقال بمناسبة الحدث الذي أحس به أي المسميات.

وبمشاهدة وتتبع تعلم الأطفال للغات نجد أن هناك تدرجا في تعلم اللغة تبدأ عندما يصل عمره إلى أكثر من سنة بقليل حيث يبدأ بلفظ بعض الكلمات ثم في عمر سنتين فأكثر يصبح قادرا على تركيب بعض الجمل البسيطة ومن ثم تتطور قدرته مع كبر سنه. فاللغات في الأساس سماعية ويتعلم الطفل اللغة من السماع ليس ككلمات منفردة بل يتعلم الجمل المفيدة كاملة. وتعلم الأطفال للغة ليست قضية ذكاء لأن المتخلفين عقليا يتعلمون اللغة مع فقدانهم لقدر كبير من الذكاء. ويلاحظ أن تعلم الطفل لغة أبويه ومن حوله يحصل بإتقان تام بعكس الكبير الذي يتعلم لغة ثانية.

لذلك فتعلم اللغة الأولى عند الأطفال لا يحتاج إلى معلومات سابقة ابتداء، لأنها جزء من عمل الدماغ بواسطة الربط الاسترجاعي. وبعد تحصيل الطفل لثروة لغوية كافية بالربط بين الأسماء ومعانيها أي مسمياتها، يصبح مالكا للوسيلة اللازمة لتلقي المعلومات السابقة بحيث يستطيع بواسطة اللغة من تركيب معاني معينة مما يتلقاه ويتعلمه ممن حوله أي تكوين نماذج فكرية جاهزة يعرفها الدماغ نسميها المعلومات السابقة وبالتالي تتم عملية تشكيل وبرمجة فكر الطفل بواسطة اللغة.
والله تعالى أعلى وأعلم                  
تم نشر هذا الموضوع في منتدى العقاب بتاريخ 12/2005  والرابط كالتالي
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=7087&st=20