الأحد، 14 أبريل 2013

قرائن عقلية على وجود اليوم الآخر

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

العنوان: قرائن عقلية على وجود اليوم الآخر
 
إننا لا نعتبر أن الدليل على وجود يوم القيامة هو دليل عقلي محض مستقل بذاته، بل إن الدليل على ثبوت يوم القيامة والجنة والنار والحساب والحشر والصراط هو دليل نقلي وسمعي في الأساس ولا يمكن أن يكون دليلا عقليا مستقلا عن السمع. ولذلك فالاستدلال على كل ما تعلق بما بعد الموت والحياة الآخرة يرجع إلى النصوص القطعية ولا يخضع للعقل والحس.
ولكن يمكن أن ينظر العاقل المفكر إلى وجود قرائن عقلية على الحاجة واللزوم لوجود يوم للقيامة واللحساب والجزاء، وأذكر منها ما يلي:

تحقيق العدالة:

لا يجد العقل مناصا من الإقرار بشكل ما بالحاجة إلى وجود المحاسبة للطائع والعاصي في هذه الدنيا، ولا مانع بأن يحصل ذلك في يوم آخر حيث ان العقل يؤمن بأن تحقيق العدالة يقتضي الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وما دام هذا الأمر لا يحصل في الحياة الدنيا فلا مانع من حصوله في حياة ثانية أخرى، وإذا ربط هذا الأمر مع وجود صفات الكمال لله عز وجل وخصوصا صفة العدل فتصبح المسألة ليست فقط عدم منع، بل تصبح أمرا لا بد منه.

دورة الحياة والإعادة:

لقد اهتم القرآن الكريم بهذه القضية ايما اهتمام، لأن المشركين من العرب كذبوا أكثر ما كذبوا ليس بوجود الله بل بيوم القيامة، ولذلك تجد القرآن الكريم يسرد عشرات المرات وبأمثلة كثيرة من حياة البشر وبيئتهم لتقريب الصورة وللتمثيل، حتى تستطيع عقول الكفار أن تستوعب المسألة، فضرب أمثلة كثيرة منها مثال النبات، حيث تكون الأرض هامدة فيرسل الله عليها المطر فتنبت الزرع والنبات، وعندها ترى الأرض مخضرة تعج بالحياة ثم يهيج هذا الزرع ويصبح مصفرا ثم يتحول إلى الحطام والموت، ولكن يبقى منه شيء وهو البذور. ولكن هذه البذور تبقى خامدة جامدة حتى ينزل المطر مرة أخرى بأمر الله، فتحيا من جديد، فتكون دورة حياة ثانية بإعادة الحياة مرة أخرى لهذا النبات والزرع.

 كل هذه الصور والأمثلة الرائعة هي لكي يقوم الكفار المشركين باستخدام عقولهم من خلال عملية قياس عقلية، حيث أنهم يشاهدون دورة الحياة والإعادة للنبات كل سنة في حياتهم، وقد شبه الله تعالى حياة الإنسان بحياة النبات ولذلك فعودة الإنسان للحياة مرة أخرى في يوم القيامة ليس أمرا مستحيلا بل إنه جائز، ولكن الله جعل هذه الإعادة في اليوم الآخر

 وقد ذكر النبي عليه الصلاة السلام في الحديث بما معناه أن الإنسان يفنى ولكن يبقى منه عجم الذنب وهو عظمة في مؤخرة العمود الفقري وينبت الإنسان منه يوم القيامة.

الريادة التكرار:

الأمر الذي فيه ريادة وابتكار وابداع في عرف البشر هو أصعب من عملية تكراره من خلال نسخه وإعادة صنعه مرة أخرى، ولذلك فالإعادة أسهل وفق مقاييس العقل من الابتكار والابداع والريادة أول مرة، لأن المرة الأولى تحتاج إلى جهد فكري وعملي عظيم لكي تكون متقنة، أما بعد التجربة الأولى للاشياء، فإن صنعها يكون أسهل وأهون، لأن الأمر حينها لا يحتاج للابداع والابتكار مرة أخرى بل هو مجرد تكرار.

 ولذلك ذكر الله تعالى للكفار بأن الله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ولكنه استدرك بقوله "ولله المثل الأعلى" لأن الابداع والابتكار لا يقاس عليه الخالق بل هو مثل لتقريب الصورة فقط، فمن آمن بقدرة الله على الخلق أول مرة كان عليه أن يؤمن يقدرة الله على الإعادة لأنها أهون واسهل من ناحية الواقع والعقل يؤيد ذلك.

 وكذلك عندما تحدى أحد المشركين رسول الله عليه الصلاة والسلام في مسألة إعادة الحياة للعظام التالفة وهي رميم أجابه القرآن في سورة يس بقوله: (قل يحيها الذي أنشاها أول مرة وهو بكل خلق عليم)، فقد رد القرآن عليه بأن العقل يقر بأن من أنشأ الشيء في المرة الأولى يمكنه أن يعيد إنشاءه مرة أخرى ولا عجب في ذلك. وهذا يؤكد الفرق بين الريادة والتكرار.
وهناك الكثير من الأمثلة العقلية التي ضربها القرآن للدلالة على وجود يوم القيامة ويوم للبعث والنشور، ومنها الآيات التي تتحدث عن مراحل تطور الأجنة في بطون أمهاتهم ودلالتها أن البعث لا ريب فيه وغيرها.

ولكن علينا ملاحظة أن هذه الأدلة ليست أدلة عقلية لإثبات يوم القيامة، وإنما كانت قرائن للمشركين ولغيرهم بأن الحياة الأخرى والبعث والنشور والحساب والجزاء ليس أمرا مستحيلا بل هو أمر جائز، وخصوصا لمن آمن بأن الله هو الخالق فلا عجب بأن يؤمن بأن الله قادر على إعادة الخلق والحياة مرة أخرى

فهذه الأدلة هي أدلة تنفي إدعاء المشركين باستحالة وقوع حياة أخرى ويوم آخر، وتثبت في المقابل جواز ذلك من ناحية العقل السليم. وهناك أدلة ترجح جانب حدوث اليوم الآخر على جانب الفناء السرمدي، وهي أدلة عقلية مثل تحقيق العدالة لأنه عدم تحققها هو صفة نقص في الخالق وهذا محال، ولذلك وبما أن الله كامل بصفاته وجب وجود يوم آخر لتحقيق العدالة.

وعليه فإن كلامنا في الأدلة على وجود اليوم الآخر ليست هي أدلة عقلية تثبت بذاتها ويدركها العقل، من مثل استدلالنا على وجود الله وإعجاز القرآن، ولكنها قرائن عقلية تعين في فهم وإدراك معنى اليوم الآخر الذي هو من علم الغيب عند الله، وكذلك هي أدلة تجعل العاقل يرجح الحاجة (نظريا) إلى وجود اليوم الآخر لتتم المحاسبة والعدالة.

فالايمان باليوم الآخر دليله نقلي ويؤيده العقل ولا يمنع من وقوعه. وهذا هو بالضبط الإطار الذي نتكلم فيه عن هذا الموضوع
الفطرة:

بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه قرائن عقلية على ضرورة وجود يوم آخر بعد الموت تقام فيه موازين الحق والعدل وأن هذا الأمر يتناسب مع الفطرة، ويتوافق مع العقل ، وإني أود أن اضيف أمرا آخر يرشد إلى اليوم الآخر الا وهو حب الخلود وهو جزء من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

حب البقاء وكراهية الموت:

خلق الله سبحانه الإنسان وأودع فيه طاقة الحياة ليتحرك ويقوم بأعمال (سلوك) ليشبع هذه الطاقة، وهذه الطاقة الحيوية تتمثل في الحاجات العضوية والغرائز، أما الحاجات العضوية فهي خمس الأكل والشرب والنوم والإخراج والتنفس. وأما الغرائز فثلاث هي حب البقاء والنوع والتدين.

ومعنى غريزة أنها مغروزة في طبائع الإنسان وهي جزء من جبلته وخلقه، ولا يستطيع أحد محو هذه الغريزة أو استئصالها أو كبتها وإنما يكون ذلك لبعض مظاهر هذه الغريزة.

وغريزة حب البقاء لها مجموعة من المظاهر تظهر من خلالها مثل الدفاع عن النفس وحب التملك وتجنب الأخطار وحب الاستطلاع والأثرة (الأنانية) وحب السيادة وغيرها، وكل هذه المظاهر تصب في غريزة حب البقاء، وهي موجودة في الإنسان وباقي المخلوقات الحية، ويقوم الإنسان بأعمال سلوكية معينة لإشباع هذه الغريزة كلها تصب في صالح بقائه كفرد وكإنسان
ودافع غريزة حب البقاء هو سعي الإنسان للبقاء والخلود الفردي والذاتي والتهرب من الموت وكراهيته، وهذه أهم وأقوى غريزة في الإنسان وهي اصلية فيه. ولكن لما كان الله سبحانه قد قهر عباده بالموت، وجعل الموت نهاية كل حي، والموت سنة ربانية لا بد منها فلكل كائن حي نهاية وموت لا فرار منه،

ولكن لما كان هذا الموت وهذه النهاية تصادم غريزة الإنسان التي أودعه الله فيها من حب البقاء وكراهية الموت، فإن هذه الفطرة تدفع الإنسان للبحث عن من يكملها له أي تبحث عمن يسد هذا العجز والنقص والخلل في الحياة،

وعند البحث يتوجه الإنسان إلى الذات الكاملة الأزلية التي لا تموت سعيا لسد نقصه فيستعين بها على التغلب على عجزه، وهذا يستلزم عبادة الله سبحانه الخالق الأزلي (إياك نعبد وإياك نستعين) وذلك لنيل رضوانه وليجبر عجزه وموته بالحياة الخالدة، فيندفع الإنسان لعبادة خالقة الإزلي سعيا وراء الخلود لأنه أدرك أنه ميت وأن حياته قصيرة ولا بد من هذا اليقين المتمثل بالموت في يوم من الأيام طال الزمان أم قصر.

ولما جاء دين الله بالايمان باليوم الآخر وأن الخلود لن يكون في الدنيا بل سيكون في الآخرة، فإن هذا الايمان قد طمأنه وأراح فطرته المتمثلة في غريزة حب البقاء، ذلك أنه سيحقق شعوره هذا بضرورة الخلود في اليوم الآخر، ولكن هذا الخلود الذي يسعى إليه سلاح ذو حدين، فإما خلود في نعيم مقيم أو خلود في جهنم وبئس المصير.

ولذلك فإن سعي الإنسان للخلود في الدار الآخرة التي لا موت فيها يجب أن يرتبط بإحسان عمله في الدنيا كي يرضى الله عنه ويدخله جنة عدن ودار الخلد والسلام والمستقر وأن يزحزحه عن النار دار الخلد في العذاب المقيم والعياذ بالله.

وبالتالي فإن الشعور بالخلود شعور أصيل في فطرة الإنسان وهو من أهم غرائزه التي فطره الله وجبله عليها، ولذلك فهو يكره الموت ولا يطمئن قلبه مع قناعته العقلية بأن الموت هو النهاية، بل يبقى شعور النزوع إلى الخلود يتملكه حتى يغرغر.

وهذا الشعور أو النزعة للخلود المفطورة في الإنسان ينسجم بل يتناسق ويتناغم معها فكرة الايمان بالحياة الخالدة في الآخرة ولذلك كان الايمان باليوم الآخر مما يتوافق مع الفطرة، بل مما لا ترضى الفطرة إلا بوجوده في مكان ما وفي زمان ما.
وكان حل العقدة الكبرى (من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟) لا يؤدي إلى الطمأنينة في قلب الإنسان إلا بالإجابة الصحيحة التي توافق فطرته بأن هناك يوم آخر فيه الخلود.

وهذا الأمر يؤكد المقولة بأن عقيدة الإسلام توافق الفطرة وتقنع العقل.

قال تعالى في سورة البينة (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه )

نسالك اللهم رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في هذه الدنيا، في يوم العرض عليك وخفف عنا في يوم الحساب وأدخلنا الجنة برحمتك يا الله، وأرض عنا يا الله.

والحمد لله رب العالمين.
رابط : http://www.alokab.com/forum/index.php?showtopic=6855&pid=33026&st=0&#entry33026

الأربعاء، 13 مارس 2013

من مجلة الوعي : الإسلاميون بين هاجس السلطة والحكم بالإسلام

كلمة الوعي : الإسلاميون بين هاجس السلطة والحكم بالإسلام

ورد في كلمة العدد 314 من مجلة الوعي موضوع في غاية الروعة أحببت أن تطلعوا عليه
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلاميون بين هاجس السلطة والحكم بالإسلام
الإسلاميون والسلطة


يراقب العالم اليوم عن كثب ما يجري في مصر وتونس وليبيا واليمن والعراق وغيرها من بلاد المسلمين، حيث يحتدم الصراع السياسي على السلطة، وتدخل البلاد في فوضى عارمة، رغم أن الإسلاميين أو دعاة «الإسلام هو الحل» هم من يتبوؤون مقاعد الحكم في جل هذه البلاد إن لم يكن كلها. وبعد أن كان ينتظر الجميع تجسيد نموذج إسلامي ناجح وناجع في الحكم، بتنا نرى استنساخاً لتجارب مشوهة في السلطة، تضرب بالأحكام الشرعية والمعالجات المقطوع بها إسلامياً عرض الحائط، وتحوَّل الإسلاميون من دعاة لتغيير الأوضاع الكارثية المسيطرة على بلادنا ردحاً من الزمن إلى متصارعين على السلطة بدل فرض نموذج شرعي سليم يقدم الإسلام كبديل عن الأنظمة المتهالكة في العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً.
ما من شك بأن الحصول على السلطة هو طريقة أي حزب سياسي لوضع أفكاره موضع التنفيذ على صعيدي الدولة والمجتمع والأمة. رغم هذا، فإن من أعظم الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها أي حزب مبدئي في العالم هو تحوله من حزب حامل للدعوة إلى حزب طالب للسلطة. بمعنى أن تصبح السلطة هاجس الحزب بمعزل عن دعوته وعن المعايير المبدئية التي تفرض عليه منهجاً معيناً للحصول على السلطة، وليس أية سلطة، إنما سلطة يتمكن الحزب بواسطتها تجسيد طريقة عيشه المبدئية في الحياة بحسب تصوراته عن الحياة نفسها.
فهيمنة مثل هذا الهاجس على أي كتلة سياسية، لاسيما بعد طول أمد رحلة الدعوة، ومسيرة العذاب الشاقة، والشعور بالتعب والإرهاق، والحسرة التي تملأ الصدور من تمتع الأراذل بثروات الأمة ومقدراتها، كثيراً ما يدفع إما إلى القعود والتقوقع أو إلى الانحراف تدريجياً عن المبدأ، حيث يقل ابتداء الاهتمام ببحث رؤية المبدأ للعالم وللدولة وللمجتمع وللفرد، على اعتبار أن الاشتغال بالفكر والاستغراق فيه لا يطعم خبزاً، فيكتفى بعموميات، بل قد لا يجد حينئذ كثيرون ضيراً بضرورة تغيير تلك العموميات أو التغاضي عنها، طالما أن الأمر يقتضي ذلك، سيما في حال كانت تلك الرؤية أو ما تفرضه من فكر ومعالجات ينظر إليه على أنه معوِّق عن التمكين أو شاغل عن الحصول على السلطة.


إشكالية اللاهثين

يبدأ اللاهثون على السلطة بالتذرع بأن تصورات المشروع السياسي للكتلة لا خشية عليها، فالأفكار قد رسخت وهي موجودة ومختزنة في العقل الباطن، ولا ضير من سترها حالياً أو ركنها جانباً لحين التمكين، وأن التفكير في أي طريق للحصول على السلطة أولى من التركيز على المنهج المفترض التزامه أثناء السعي للوصول إلى السلطة، فضلاً عن التفكير بتلك المشاريع أو الأحكام أو المعالجات التي ستعتمدها تلك السلطة حين حيازتها. يتوهَّم هؤلاء بأن تطبيق أي مشروع سياسي رهن أن يركب أصحابه السلطة، بغض النظر عن الكيفية التي يحصلون عليها. على فرض أن لدى رجال أمثالهم ما يكفي من خبرة كي يمكروا بأعداء الأمة وقلب موازين السلطة وفرض تصوراتهم عليها وفرض أمر واقع جديد بمجرد تمكنهم منها. وبالتالي فإن الإمساك بزمام السلطة (كيفما تأتى) سيفرض مفاهيم أصحابها المكنونة على الدولة، وستستثمر السلطة حينئذ في تنفيذ كل أفكارهم النبيلة.
على الصعيد النظري، يبدو الكلام منطقياً، إلا أنه ما إن نمحص فيه حتى نجد أنه تنطبق عليه كل قوانين المنطق المغلوط، كلام لا يصدر سوى عن وسوسات إبليس، وأقل ما يمكن أن يقال في مثل هذه الحالة أن السلطة هي التي تمكَّنت منهم لا هم من تمكنوا منها، إذ يصبحون حينها خدماً لمشروع السلطة بدل أن تكون هي خادمة لمشروعهم.


قراءة في المنهج الشرعي

هناك شواهد عديدة تقطع بعدم جواز اعتماد منهج اللاهثين على السلطة، فقد أرسل كفار قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبه بن ربيعة فقال يفاوضه « إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا...» فرفض الرسول كل هذا، رغم حاجته الملحة لتلك السلطة سواء لحماية دعوته وأصحابه أم لإقامة الدين. وعندما وجدت قريش أن الإغراء بالمال والجاه لم يجد سبيلاً مع محمد صلى الله عليه وسلم وأن دعوته مستمرة، طالبوه بالمعجزات حتى يصدقوه كأن يفرِّج عنهم الجبال التي ضيقت عليهم مكة، وأن يفجر لهم فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وأن يحيى آباءهم ومنهم قصي بن كلاب حتى يسألوه إن كان ما جاء به حقاً أم باطلاً، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : «ما أنا بفاعل، ما أنا الذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم». وعندما خيروا عمه أبا طالب بين أمرين: إما أن يمنع ابن أخيه عن دعوته، وإما أن يعلنوها حرباً عليه وعلى اىبن أخيه حتى يهلك أحد الفريقين، فنقل للنبي الكريم ذلك قائلاً له: «أبقِ على نفسك وعليَّ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق»، فظن الرسول صلى الله عليه وسلم أن عمه قد تخلى عن نصرته فرد عليه قائلاً: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذه الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».
لقد رفض صلى الله عليه وسلم التنازل عن دعوته لقاء سلطة أو غيرها من المغريات في مرحلة استضعاف وقهر وحاجة ملحة للنصرة (حتى إنه استعبر عندما استشعر خذلان عمه له)، فقد كان مطارداً، وعشيرته مقاطعة، وأصحابه في محنة وعنت أدى بهم إلى هجرة مكة إلى الحبشة، فيما فاضت أرواح بعض الصحابة إلى بارئها تحت وطأة السياط والتعذيب الشديد.
إلا أن البحث هنا ليس بحثاً لمجرد الوصول إلى حكم شرعي بحظر التخلي عن الدين لقاء مال أو جاه أو ملك تأسياً برفض رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل لا تردد فيه، إذ إن كل هذا للأسف، يتم تجاوزه بجدل ومماحكة ليس محل عرضها أو اعتراضها هنا. فغرضنا هو قراءة خطورة المنزلق الذي يمكن أن يؤدي إليه هذا المسار فيما لو تحقق. والذي كان يكفي تجنبه التزام حكم الشرع الواضح فيه.
فلدى قراءة رفض الرسول الكريم أخذ السلطة بهذا الشكل، يرى المرء بشيء من التدقيق، أنهم كانوا يريدون تحويله عن دعوته، وتطبيق أعرافهم وأحكامهم، ما يعني عملياً انتصار رؤيتهم للحياة وما تفرضه من نظم على أفكار التوحيد ومعتقدات الإسلام، التي تفرض الانقياد لله وحده دون غيره، باتباع شرعه وتطبيقه كما أنزله سبحانه. وبالتالي فإن أي خطوة في هذا الاتجاه ستصيب الدعوة بهزيمة منكرة، وسيقضى عليها بالضربة القاضية، إذ ستنحى الدعوة جانباً لتصبح السلطة والتشبث بها والصراع للحفاظ عليها هو القضية. فغاية المطلوب من عروضهم الشيطانية المغرية، هو كسب هذا الداعية أو تلك الكتلة إلى جانبهم بدل استمرارها في تحدي النظام القائم على الباطل، وبدل العمل الحثيث لتغييره. فهذا منهج احتواء متبع عند كل أصحاب سلطة يلمسون خطراً قادماً من جهة ما يتهددهم، سياسة الاحتواء هذه تأتي عادة بعد فشل سياسة استئصال الخصوم.


واقع السلطة

يجب أن تكون المسألة واضحة هنا، بأن السلطة أي سلطة في العالم، لها مبررات وجود ت ترتبط بخدمة نظام سياسي يلبي تطلعات وطموحات الجهة التي تستند لها فعلياً . وتتوفر لهذه السلطة قوى تحميها في أداء وظيفتها في خدمة هذا النظام وإزالة كل ما يمكن أن يشكل حجر عثرة يمنعها من تنفيذ مهامها أو يهدد استمرار النظام. لذلك فإنه طالما لم يتغير النظام المطبق وتتغير المبررات التي تفرض هذا النظام، ولم تغير القوى الضامنة لاستمراره ولاءها ، فإن الطائل الوحيد من ركوب هذه السلطة من قبل معارضيها يصبح احتواءهم لتدعيم هذا الكيان بأسباب حماية جديدة.

نماذج من سياسة الاحتواء
تصور مثلاً الفرق بين كمال أتاتورك وطيب رجب أردوغان، تصور الفرق بين نظام مبارك ونظام مرسي، نظام واحد بوجهين مختلفين، يكمن الفرق في أن أحدهما ملتحٍ والآخر حليق، أحدهما متديِّن والآخر عدوٌّ للدين، لكن كلاًّ منهما يطبق نفس الأنظمة ويسير في نفس الاتجاه. وتتم عملية الاختيار والمفاضلة بين هذا وذاك في واقع الحال من قبل صاحب القرار الفعلي في تسيير شؤون الدولة على أساس الأكثر مناسبة لأداء المهمة المطلوبة، فهذا أردوغان وذاك مرسي باتا مطلباً لا غنى عنه في هذه المرحلة، بمعنى لو جئت بأتاتورك من قبره كحاكم لتركيا أو حافظت على مبارك كرئيس لمصر لم يكن بإمكان أي منهما متابعة سياسات الشيطان التي يطبقانها على العباد، ولا أمكنهما الاستمرار في خدمة الأقطاب الدولية المرتبطين بها. فقد تغيرت البيئة الاجتماعية
والسياسية والثقافية ما يفرض الحاجة إلى أشكال جديدة تناسب هذا الواقع.ولهذا أتي بالشيخ أحمد معاذ الخطيب من الصفوف الخلفية للمعارضة ليقود الائتلاف الوطني، بعد أن أدركت القوى الدولية أن برهان غليون وجورج صبرة وأمثالهما من اليساريين والعلمانيين لا يفيان بالغرض. فالقوى التي تسير على الأرض إسلامية، والأفكار التي تؤجج مشاعر الناس وتؤثر بالرأي العام إسلامية؛ لذلك كان لا بد من شيخ يلقى القبول عند الناس عسى أن يتمكن من احتواء التيار السائد وحرفه عن مساره. فليس أشد فاعلية من محاربة الدين باسم الدين، سيراً على قاعدة «لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين ».
«فالإسلام العصري» المصنف بالمعتدل والوسطي الذي يغلِّب الشكل على المضمون، من متطلبات المرحلة الحالية لاستمرار نفس الأنظمة القديمة، وضمان أصحاب النفوذ بقاء السلطة في خدمة مصالحهم.
وقراءة بسيطة للتاريخ المعاصر يؤكد الحقيقة التي ذكرنا، والتي تفيد بأن اللهاث وراء السلطة واعتبارها غاية تهون كل الأمور بعد الحصول عليها هي دعوة ساقطة ولا تتعدى كونها أراجيف وأوهام. فالأمر ليس رهن الوصول إلى السلطة فقط، لأن وجود الأشخاص المؤهلين في المواقع الهامة والحساسة من غير تطبيق للنظام الصحيح سيعني ضم هذه الكفاءات لتطبيق النظام العليل المتعفن، مما يعني أن هؤلاء سينتقلون من معسكر الثورة على النظام إلى معسكر صيانة النظام، وبالتالي يقوي شوكته بوجه الآخرين ويطيل عمره . وتصبح مفاهيمهم ونضالاتهم ومواقفهم المبدئية السابقة حينها مجرد قصص يسطرونها في مذكراتهم الشخصية حين يتقاعدون. لقد جاء هؤلاء برضى قوى السلطة العاملة على ضمان استمرار النظام السياسي، والتي تبقي هؤلاء تحت المجهر بالضرورة لأنها لا تأمن لهم، وفي أي لحظة تستشعر منهم الخطر ستتخذ منهم موقفاً آخر، فأية مبادئ وأفكار وأحكام لا تنسجم مع طبيعة النظام تظهر بسرعة وتعتبر انقلاباً على صفقة ركوب السلطة، ما يعني إن حصل، قيام قوى السلطة بإجراءات حجر وتصفية لكل هؤلاء.
خذ مثلاً على ما سبق الإسلاميين في العراق، الذين تبوؤوا كل مراكز السلطة في بغداد بعد الاحتلال، وساروا في ركاب الغرب، بذريعة أننا نمكر به ثم ننقلب عليه، وإذا بهم يتحولون جميعاً لأدوات ترسخ مشاريع الاحتلال بأبشع شكل ممكن، حتى إن معارضي صدام بدؤوا يصفونهم بأنهم أشد شراً منه. ومن الجدير ذكره أن جل هؤلاء إن لم يكن كلهم من المعارضين في حزب الدعوة والحزب الإسلامي وغيرهما من الأحزاب قدموا فعلاً تضحيات جسام بوجه نظام صدام حسين البعثي، تحت عنوان حكم الإسلام.
وفي تونس نفس مسلسل ونفس منطق ونفس واقع مرسي وأردوغان. لقد تحولوا جميعاً من أحزاب تدعي حمل رسالة للبشرية إلى أحزاب منشغلة في صراع وسباق محموم على الهيمنة على السلطة، تلك السلطات التي كادت أن تفقد في لحظة تاريخية نادرة كل مبررات وجودها، وكانت بحاجة إلى ضربة عاجلة لفرض واقع جديد على أنقاضها، وإذا بهؤلاء يقدمون خدمة جليلة لخصوم تاريخيين وعقائديين، فيضفون على تلك الأنظمة والسلطة التي تسندها مسحة من الشرعية بعد ثورات عمت منطقة يسود فيها الانتماء للإسلام والشغف لرؤيته حياً من جديد.


هاجس السلطة مرض عضال

لذلك نقول إن تحول طلب السلطة إلى هاجس بحد ذاته، هو مرض عضال، يعمي القلب ويمكن الأعداء من تسخير أصحاب هذا الهاجس بيسر، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ولذلك فإن السعي للمشاركة في الحكم المناقض للمبدأ او ركوب سلطة من هذا النوع هو ضربة قاسية لذلك المبدأ ويحول أتباعه لخصوم له. وينطبق هذا الأمر على كل من يصبح همه وهاجسه ومعبوده السلطة مسلماً كان أو غير ذلك. خذ مثلا منظمة التحرير التي بنت منهجها على أخذ قطعة من فلسطين مهما كان حجمها، لإقامة دولة تتوسع اضطراداً فتفرض أمراً واقعاً جديداً بالتتالي، وإذا بها تسلم بـ «إسرائيل» بشكل نهائي وأبدي وتحارب كل من يعمل على المس بها، بل وتعتبر أن العمل على تغيير هذا الواقع هو تقويض لسلطتها، وهذا صحيح لأن سلطتها مركبة لخدمة الاحتلال فكرة وكياناً وتمويلاً وثقافة بموجب اتفاقات ومعاهدات وترتيبات تفرض على هذا النموذج المسخ أن لا يخرج عن هذه الوظيفة.
خذ مثلاً آخر الجنرال عون، الذي خاض «معركة تحرير» ضد النظام السوري ونفي بعد هزيمته إلى فرنسا، وإذا به يعود إلى لبنان عبر صفقة حولته بين ليلة وضحاها من عدوٍّ لدود للنظام السوري إلى مُنظِّر لذاك النظام داعياً إلى مناصرته في وجه الثورة التي هبت بوجهه. باختصار لقد ركب السلطة بشروط النظام السوري، ولا يستطيع أن يستمر إلا بهذه الشروط، ولذلك تحوَّل من خصم يحاولون قتله، إلى ولي حميم يحافظون عليه من أي أذى لأهمية دوره في حفظ نظامهم.


واقع العمل السياسي

يجب التنبه إلى أن أي عمل سياسي في الدنيا يبتغي تحقيق أهداف معينة، يسعى القائمون عليها مراقبة ومتابعة كل ما يؤثر فيها كي يحققوا غاياتهم هم، ويقطفوا ثمار ما اجتهدوا لأجله، لذلك توجب أن يخضع العمل السياسي لثقافة تصقله بالمبدأ ورؤية تؤطره بما يحميه من الانزلاق في مؤامرات الآخرين ومخططاتهم، وإلا أصبح العمل السياسي هوساً وعبثاً وهلوسة ينزع صاحبه إلى الكرسي بكل وسيلة، مما يسهل تبني أجندة الخصوم، ويسوغ التنازل تلو الآخر بذريعة التذاكي والمكر بالأعداء كما يمكرون بنا، فيما هو في الواقع يتنكر لدينه ومبدئه وقيمه، ويجيِّر قواه وقوى من يوالونه لصالح أعدائه.
لذلك كله، فإننا عندما نتحدث عن هاجس السلطة وعن التحذير من هيمنته على منهج العاملين للإسلام، فإننا نحاول أن نستدرك مصيرية الثبات على منهج الله، وضرورة الحفاظ على الدعوة نقية من كل شائبة، واستمرارها سليمة ومستقيمة، وعلى التمعن بالطريقة التي تنقل السلطة فعلياً إلى أصحاب المبدأ لا العكس. لأنه إن حصل وتسرَّب إلى عقول وقلوب حملة الدعوة هاجس حيازة السلطة، سيكون من نتائجه إهمال كثير من قضايا الدعوة، وسيصبح معيار الصواب من الخطأ حينها مدى الاقتراب من كرسي الحكم أو البعد عنه، لا مدى تجذر الدعوة ووضوحها في الأمة وقدرتها على فرض نفسها في المجتمع والدولة من خلال قواها الذاتية، التي حينها تحرص على تحكيم نظام الإسلام وعرضه كما هو،كبديل شامل لكل الأنظمة الباطلة التي تسود هذا العالم.



الرابط: http://www.al-waie.o...d=1206_0_91_0_C

والسلام عليكم ورحمة الله

الخميس، 28 فبراير 2013

سقوط دعوى المساواة بين الرجال والنساء (3)

بسم الله الرحمن الرحيم


سقوط دعوى المساواة بين الرجال والنساء (3)

السلام عليكم

 كنت أقرأ في موسوعة الويكيبديا تحت عنوان الرأسمالية:

فقرأت ما يلي:

إن المذهب الطبيعي الذي هو أساس الرأسمالية يدعو إلى أمور منها: -

الحياة الاقتصادية تخضع لنظام طبيعي ليس من وضع أحد حيث يحقق بهذه الصفة نمواً للحياة وتقدماً تلقائياً لها.

- يدعو إلى عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وأن تقصر مهمتها على حماية الأفراد والأموال والمحافظة على الأمن والدفاع عن البلاد.

- الحرية الاقتصادية لكل فرد حيث إن له الحق في ممارسة واختيار العمل الذي يلائمه وقد عبروا عن ذلك بالمبدأ المشهور: "دعه يعمل دعه يمر".

- إن إيمان الرأسمالية بالحرية الواسعة أدى إلى فوضى في الاعتقاد وفي السلوك مما تولدت عنه هذه الصراعات الغربية التي تجتاح العالم معبرة عن الضياع الفكري والخواء الروحي.

- إن انخفاض الأجور وشدة الطلب على الأيدي العاملة دفع الأسرة لأن يعمل كل أفرادها مما أدى إلى تفكك عرى الأسرة وانحلال الروابط الاجتماعية فيما بينها.

- من أهم آراء سميث أن نمو الحياة الاقتصادية وتقدمها وازدهارها إنما يتوقف على الحرية الاقتصادية. - وتتمثل هذه الحرية في نظره بما يلي:

- الحرية الفردية التي تتيح للإِنسان حرية اختيار عمله الذي يتفق مع استعداداته ويحقق له الدخل المطلوب.

- الحرية التجارية التي يتم فيها الإِنتاج والتداول والتوزيع في جو من المنافسة الحرة.

- يرى الرأسماليون بأن الحرية ضرورية للفرد من أجل تحقيق التوافق بينه وبين المجتمع، ولأنها قوة دافعة للإِنتاج، لكونها حقاً إنسانياً يعبر عن الكرامة البشرية.


 
وأود أن أذكر تعقيب التالي على ذلك فيما يتعلق بموضوع دعوى المساواة بين الرجال والنساء

يدعو المذهب الطبيعي في الرأسمالية إلى أمور منها: - إن انخفاض الأجور وشدة الطلب على الأيدي العاملة دفع الأسرة لأن يعمل كل أفرادها مما أدى إلى تفكك عرى الأسرة وانحلال الروابط الاجتماعية فيما بينها.

هذا هو سر الدعوة إلى المساواة بين الرجال والنساء فهي ليست لأجل المساواة، بل بدافع راسمالي ليعمل كل أفراد الأسرة بسبب انخفاض الأجور وشدة الطلب على الأيدي العاملة في النظام الرأسمالي. وذلك بإخراج النساء والأطفال للعمل حتى يتيسر للأسرة العيش، ولما وجدوا مشاكل كثيرة ناتجة عن عمالة الأطفال ظهرت دعوات لتجريم عمالة الأطفال وملاحقة من يقوم بذلك ويسهله.

فهذا هو سر الأمر والترابط بينها من زاوية رأسمالية ولكن آثاره تجاوزت ذلك فقد تفككت عرى الأسرة وانحلت الروابط الاجتماعية عند الغرب بسبب هذه النظرة.

ويتم التركيز على المجتمعات الإسلامية حاليا بهدف إخراج المرأة من بيتها للعمل، لأن هذه المجتمعات ما زالت تنظر لدور المرأة بأنها أم وربة بيت وأن الانفاق واجب على الزوج لزوجته، وأنه ليس من واجبها العمل وإعالة الأسرة، فيريدون أن يغيروا هذه النظرة للمرأة  تحت غطاء دعوى المساواة وبدعوى انها شريكة للرجل وتنفق على البيت مثلها مثل الرجل، ولأنها يجب أن تتمتع بنفس الحقوق والواجبات حسب الشرائع الدولية واتفاقية سيداو الذي وقعت عليها الأنظمة الحاكمة في معظم بلاد المسلمين.

فالدافع لدعوة المساواة هو دافع نفعي اقتصادي مصلحي أناني نابع من النظرة الرأسمالية للاقتصاد، حيث تميل الشركات الراسمالية والمصانع إلى تشغيل ايدي عاملة كثيرة لزيادة الانتاج وفي نفس الوقت تستفيد هذه الشركات بأن تدفع لهم أجورا منخفضة، وهذا يلائم تشغيل النساء والأطفال حيث تعطى لهم أجورا منخفضة بدل أعمالهم

فأية نظرة هذه التي يدعون لها (تحت غطاء المساواة) إنها حقا لنظرة منخفضة منحطة تنزل بالإنسان إلى اسفل دركات العبودية للنظام الرأسمالي ولكنهم –كعادتهم في النفاق- يغلفون ذلك ويزينونه بدعاوى باطلة ليغتر بها أصحاب العقول الضعيفة والمضبوعون بالثقافة الغربية فيقبلون بهذه المفاهيم الخطرة المخالفة لأحاكم الإسلام في نظرته الراقية للتعاون والتكامل بين الرجال والنساء وفلسفته في الاقتصاد وفي العمل وبذل الجهد وتوزيع الثروة .

الحمد لله الذي هدانا لهذا الإسلام وما كنا أن نهتدي لولا أن هدانا الله

الخميس، 21 فبراير 2013

سقوط دعوى المساواة بين الرجال والنساء (2)


السلام عليكم ورحمة الله

يقول الله تعالى في سورة الزخرف : (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18))
 
هذه الآية تدل على أن الأنثى -في العادة -مفطورة على حب الزينة والاهتمام بانظافة البيت وترتيبه، وكذلك ميلها للأمومة وحب الأطفال والرحمة والعطف ولديها طاقة مشاعرية جياشة، وقد فطرها الله تعالى جسديا ونفسيا وعقليا لأداء هذه المهمات والوظائف، وقد رخصت شريعة الله السمحاء للنساء في الحرير والذهب على عكس الرجال بما يتناسب مع فطرتها، ومن جهة أخرى يقل اهتمامها بالأمور العامة والفلسفية لا لنقص في عقلها، ولكنها في العادة تكتفي بفهم سريع مطمئن للقضايا العامة دون خوض في التفاصيل ولذلك تكون غير قادرة على مجاراة الرجال في الخصومة في القضايا العامة والفلسفية.

أما الرجل فهو على العكس من ذلك فهو مفطور على الاهتمام الشديد بالقضايا العامة والفلسفية وعنده عزوف إلى حد ما عن الزينة والاهتمام بالأطفال والطعام والأمومة، وهو لا يغلب مشاعره على عقله، وذلك لأداء مهماته ووظائفه التي خلقه الله من أجلها.

وقد جعل الله شهادة المرأتين كشهادة رجل واحد "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى" وهذا الأمر يكون في الدَّين والأمور المالية التي تقتضي الخروج للحياة العامة الاختلاط بالناس ومعرفة قيمة الأشياء وأهميتها كالتجار والصناع مثلا.

يذكر موقع مركز الفتوى في إسلام ويب:




(فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) [البقرة : 282] والعلة في ذلك ذكرها الله تعالى: (أن تضل إحداهما) بالنسيان (فتذكر إحداهما الأخرى) وقد ثبت علمياً أن النسيان في النساء أكثر من الرجال . وكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين ليس مطلقاً بل ذلك يكون في المعاملات المالية ونحوها ، وهناك مواطن تقبل فيها شهادة النساء وحدهن ولو امرأة واحدة كما أن هناك مواطن لا تقبل فيها شهادة المرأة . فتقبل شهادة المرأة وحدها في الرضاع وفي البكارة والثيوبة وعيوب النكاح وكل مالا يطلع عليه الرجال غالباً ، ولا تقبل شهادة المرأة فيما يطلع عليه الرجال غالباً كالشهادة على الزنا والعقوبات ( الحدود والقصاص) ونحو ذلك . هذا وإن شريعة الله جاءت موافقة للفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى عباده عليها لتكون صالحة لكل زمان ومكانوهذا لا يتنقص من قيمة النساء بل هو من الحكمة البالغة لأداء المهمات والوظائف المنوطة بكل مخلوق خلقه الله تعالى

الحمد لله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى

الأربعاء، 20 فبراير 2013

سقوط دعوى المساواة بين الرجال والنساء (1)

20/2/2013

سقوط دعوى المساواة بين الرجال والنساء (1)

الحمد لله والصلاة والسلام عل رسول الله
 أما بعد،
 
خلق الله تعالى الرجال والنساء، وجعل كلا منهما بحاجة للآخر ليتعاونا ويتكاملا، ولو كانا متماثلين ومتساويين لما كان أحدهما بحاجة للآخر ليكمله ويسد نقصه، ولولا وجود الاختلاف بينهما لما كانا بحاجة للتعاون لأداء أشرف مهمة إنسانية بتكوين الأسر وإنجاب الأطفال وتربية النشء.

ولنضرب على ذلك مثالا من الواقع، وهو ما يذكره علماء الإدارة والاقتصاد ويطلقون عليه العمل ضمن فريق واحد او ما يسمونه بالانجليزية (Team Work) فعمل الفريق له ميزات انتاجية حسنة تفوق عمل الأفراد كلهم منفردين، لذلك تقوم الدول والجمعيات والأحزاب والشركات بتشجيع العمل الجماعي ضمن فريق واحد ومنظومة مشتركة لأداء المهام، لما لذلك الأمر من مزايا ينتفع منها الجميع.

وتقسم الأعمال (فكرة تقسيم العمل) بين أعضاء الفريق كل حسب قدراته وإمكاناته، ويتعاون الفريق ضمن منظومة محددة لإنجاز عمل معين ويكلف كل من أعضاء الفريق بوظيفة معينة أو مهمة محددة فيما يمنع الآخر من القيام بها ويسند العمل إلى رئيس لهذا الفريق تقع عليه مسؤوليات العمل ويدير الفريق ضمن صلاحياته ويحدد واجبات كل عضو في الفريق ويحاسبه ويعاقبه إن خالف اللوائح والقوانين ويكافئه إن عمل بإحسان.

ولو طبقنا هذا المفهوم على العلاقة بين الرجال والنساء فهم كأعضاء فريق واحد يكمل الآخر ولا يماثله تماما، لذلك فلا مساواة، فهؤلاء الأعضاء متماثلون من جهة ومختلفون من الجهة الأخرى، فهم جميعا -أي الرجال والنساء- أعضاء في هذا الفريق (متساوون في الإنسانية) ولكن على كل منهم تقع واجبات ومسؤوليات (العمل والنفقة على الرجال أو رعاية شؤون البيت والأمومة وتربية الأطفال على النساء) ولكل منهم حقوق (في الميراث والقوامة)، ولكن لو كانوا جميعا متساويين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات لكان لا لزوم للفريق ولا لزوم بالتالي للاسرة، ولكان بإمكان كل فرد العمل والعيش بمفرده ولا حاجة للعمل ضمن الفريق لأنه لا ميزة لأحدهم على الآخر.

لذلك اقتضت حكمة الله بأن يجتمع الرجال والنساء لتكوين أسرة في عمل جماعي ضمن فريق واحد، للرجل حقوق وعليه واجبات وللمرأة حقوق وعليها واجبات (تقسيم العمل)، وقد أناط الشرع للرجل القوامة على الأسرة وكان عليه تأمين المسكن والنفقة وتوفير كل ما يلزم لشؤون البيت من الخارج، فيما كان على المرأة رعاية شؤون بيتها من الداخل فيما يخص الأمومة وتربية الأطفال وحاجات البيت، وبهذا يتعاونان كليهما لأداء واجباتهما ويتكاملان ولا يتماثلان ولا يتساوييان تماما. وقد ركب الله تعالى في طكل من الرجل والمرأة صفات وخاصيات معينة تؤهله للقيام بوظيفته وتعينه على أداء مهامه فالرجل خصه الله تعالى بالقوة الجسدية والجرأة لأداء الأعمال الخارجية ولحماية الأسرة من الأخطار وخص المرأة بصفات الرحمة والعطف والحنان والصبر والحياء والجمال لتكون مؤهلة لتربية الأطفال وأن تكون ربة بيت لرعاية شؤونه من الداخل، ولأن أداء هذه المهمات تتعلق به مشقات جعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة مودة ورحمة ورغبة لكل منهما بالآخر وركبت الشهوة الجنسية في كل منهما للميل للجنس الآخر ليتعاونا طوعا ورغبة لأداء المهمات الإنسانية في داخل الأسرة وليس بالقهر والتسلط والتغلب والاستعباد بل بالتعاون والتكامل والمحبة والرحمة والسكن.

وبذلك فأن دعوى مؤسسات المرأة وبعض الاتفاقيات الدولية للمساواة هي دعوى باطلة تدعو إلى تفكيك العمل الجماعي لتحط من الانتاج الانساني المثمر بتدمير الأسرة وتدمير العمل ضمن الفريق الواحد وتنتكس وتنحط بالعمل الجماعي الأسري الذي فطر الله الناس عليه، إلى العمل الفردي غير المنتج، ويجعل النظام الغربي الرأسمالي الذي يدعو إلى تحرير المرأة بدعوى المساواة، يجعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة صراع دائم يحرض فيه النساء ضد الرجال ويحرض فيه الرجال ضد النساء، وتحدث المغالبة بينهما وتنفك عرى العلاقات الإنسانية الفطرية ويؤدي إلى عدم التعاون ولا التكافل ولا التكامل، وهذا كله يؤدي إلى الفساد والظلم لينتصر في هذا الصراع الأقوى كما هو الأمر في قانون الغاب، فماذا يريد دعاة مساواة المرأة بالرجل غير تدمير أواصر الأسرة الفطرية؟! وتحويل المرأة إلى عدو للرجل عليها أخذ حقوقها بالمغالبة والصراع والتدافع وما يؤدي إليه ذلك من مفاسد وتناحر وإضاعة للقيم الخلقية والإنسانية!!

ونظرة خاطفة على حال مجتمعات المسلمين أيام عزتهم ونهضتهم وحالنا اليوم وكذا حال المجتمعات الغربية تري الفرق بين النظرتين، نظرة راقية فيها التكامل والتعاون والتآلف والعمل الجماعي المشترك لتكوين الأسرة ونهضة المجتمع، ونظرة أخرى تقوم على التباغض والصراع بين الرجال والنساء لتحقيق إنجازات موهومة للنساء تحت ذريعة براقة تسمى المساواة وتحرير المرأة.

وبالتالي فهذه الدعاوى هي دعاوى هدامة للمجتمع وللأسرة وهي دعاوى باطلة، تأخذ بمجتمعاتنا إلى هوة الصراع والتحاسد والتباغض وتؤدي إلى إفساد العلاقات المجتمعية والأسرية، وتبعده عن الفضائل ومحاسن الأخلاق والتعاون.

اللهم احم امتنا من دعاة الفتن والضلال والفساد، واحم نساء المسلمين وبناتهم من كل من يتربص بهن بالسوء

والحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام

الأربعاء، 9 يناير 2013

سؤال وجواب حول قيادة وتحريك الجماهير في الثورات

سؤال وجواب حول قيادة وتحريك الجماهير في الثورات

السلام عليكم أستاذي الكريم يوسف والإخوة الكرام جميعا
في الحقيقة إن هذا الموضوع في غاية الأهمية
خاصة وأنه عندما سأل أحد رواد المنتدى القديم سؤالا قبل الثورات العربية بكثير: لماذا لا تتحرك الناس؟
فكان أحد أجوبتنا في ذلك الوقت حول خواص الأشياء وأن الناس تقاد ولا تقود... وأن العمل يجب أن ينصب على وجهاء وقادة الناس... وضربنا وقتها مثال "اصبع أحنف بن قيس" وكان هذا الجواب شافيا قبل الثورات.... ولكن جاءت الثورات وتحرك الناس دون قيادة (في البداية) فكان لابد من الوقوف على هذه الثورات واضافة ما يجب إضافته في موضوع تحريك الناس.
والسؤال هو: ما الذي كان مخفيا عنا قبل عامين فجاءت الثورات العربية لتبرزه أو تضيفه إما في ما يتعلق بخواص الإنسان أو تحريك الجماهير أو غير ذلك؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب  على السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله
أخي العزيز  بارك الله فيك، سؤالك عميق فعلا وهو في الصميم

بالنسبة لتحرك الناس في الثورات، من الخطأ القول أن الناس تحركوا دون قيادة، فلا بد دائما من قيادة تقود الناس إلى التحرك للثورات ولغيرها. فالسنة الربانية لا تتغير، وطبائع الأشياء هي من السنن الربانية، فإذا كان فهمك لطبائع الأشياء صحيحا فعلاقة السببية محققة أي أن ارتباط السبب بالنتيجة يكون قطعيا، والطبائع هي سنن ربانية تربط السبب مع النتيجة وهي بمثابة قانون الربط بين الأسباب ومسبباتها.
والفهم الصحيح للسنة الربانية تبين لنا أن الحركة البشرية لا بد لها من أسباب وشروط، فإذا توفرت الشروط والظروف المناسبة للتحرك دون وجود الأسباب فلن تكون هناك حركة، ونفس الأمر في حالة توفر الأسباب وغياب الشروط، أما أسباب حركة الجماهير فهي وجود شرارة ووجود حركة جماعية.

والحركات الجماعية قد تكون على شكل أحزاب أو تكتلات أو جماعات لها قيادة، ويلزم بالضرورة أن يكون لهذه القيادة إرادة تغيير. فالإرادة هي التي تحرك القيادة والتي بدورها تحرك الاتباع، والحركة الجماعية المتولدة من هذه الإرادة تقود الناس في معترك الحياة إذا وجدت الظروف المناسبة (الشروط اللازمة) في المجتمع.
وبدراسة الحراك الثوري نجد أن الأزمة وصلت درجة الغليان أي أن الظروف والشروط اللازمة لحدوث الثورة كان جاهزة وهي بانتظار الشرارة فقط (أي السبب المحرك)، ولكن الشرارة لوحدها لا تكفي لأنها أحد الأسباب اللازمة للثورة ولكنها ليس سببا كافيا بل لا بد من تعاضد أسباب أخرى وهي قيادة الجماهير حسيا نحو هدف محدد.
وحتى لا نغرق في النظريات ندرس ثورة تونس ونطبق عليها ما قلناه ونفس المثال ينطبق على ثورة مصر، ففي تونس وصلت الأزمة درجة ما قبل الغليان حيث كانت الظروف والشروط متوافرة لحدوث الثورة ومنها الصراع الحضاري والحرب على المساجد وعلى الحجاب وعلى فكر الإسلام مما أثار امتعاض المسلمين في تونس ،
وكانت الشرارة هي حرق البوعزيزي نفسه في بلدة سيدي بوزيد وهذه الشرارة حركت سببا آخر لوجود الثورة ألا وهو الحركات الشعبية التونسية التي قادت الجماهير بإرادة واعية نحو هدف محدد ألا وهو إسقاط النظام، ووجود الشرارة وحدها سبب غير كافٍ لإحداث الثورة حيث حرق العشرات انفسهم في دول مختلفة كالمغرب والأردن والجزائر ومع ذلك لم تحدث الثورة فيها كما حدثت في تونس وذلك لأن الشرارة بحاجة إلى التعاون مع أسباب وشروط أخرى لإحداث التغيير والثورة وهذا ما لم يتوفر في الدول الأخرى.
والحركات الشعبية التي قادت الثورة في تونس في بدايتها لم تكن هي ذلك الشكل المعتاد من الأحزاب والجماعات التقليدية، ولكنها حركات شعبية لها أتباع ولها إرادة وأهداف، وقد وجدت هذه الحركات قبل الثورة وتشكلت ضمن الظروف المجتمعية في تونس كرد طبيعي على ظلم الحكام ومنع وقمع العمل السياسي وحتى لا تخضع هذه الحركات لرصد أجهزة المخابرات والملاحقات التي تقوم بها الدولة للأحزاب السياسية تشكلت هذه الحركات الشعبية. وكانت آلية التواصل بينها هي ما يسمى بالفيسبوك والانترنت، فكانت اجتماعاتها وتخطيطها يحصل في عالم افتراضي ولذلك سميت ثورتا تونس ومصر بثورة الفيسبوك لأن الحركات الشعبية اتخذت منها وسيلة للتواصل والتخطيط والتحريض والحركة الجماهيرية بعيدا عن أعين المخابرات والجواسيس وأجهزة القمع الحكومية.
وقد التقطت هذه الحركات الشعبية شرارة الثورة من البوعزيزي واستغلتها لتحريك الناس ضد الظلم والقهر الذي يمارسه النظام المتجبر في تونس وبما أن الظروف كانت ملائمة ومناسبة اشتعلت الثورة في الريف التونسي على حين غفلة من النظام الحاكم وما يدور في فلكه من أحزاب وجماعات سواء في الموالاة أو المعارضة ، وهذه الحركة فاجأت الجميع وأخذتهم على حين غرة في وقت لم يكونوا مستعدين فيه لمثل هذا الأمر فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.
لكن الثورة التونسية ظلت حبيسة الريف مدة من الزمن -ما يقارب عشرين يوما- ولم تنتقل شرارتها إلى مراكز الثقل السياسي في الدولة وخصوصا تونس العاصمة لإحداث التغيير، وكان لا بد من حركة لها قيادة تقود الناس في العاصمة لإشعال الثورة هناك.
وقد التقط هذه الفرصة حزب سياسي مخضرم أدرك أهمية اللحظة التاريخية ونضوج الظروف لإحداث التغيير والثورة وأدرك أن تحرك الناس في الريف ضد ظلم الحكام هو تحرك مخلص ، فقام بإرادته بتحريك اتباعه وجماهيره في تونس العاصمة وبالذات في حي التضامن مما أدخل الحراك الثوري إلى العاصمة، وبذلك انتقلت شرارة الثورة إلى القلب وإلى مركز صنع القرار، ولم تلبث إلا اياما حتى كان رئيس العصابة في هذا النظام بن علي قد ولى هاربا وفر إلى غير رجعة.

أما الحزب السياسي الذي أدخل الثورة للعاصمة فكان -على غير المتوقع- هو حزب التحرير، وقد سقط منه بعض الشهداء نتيجة لذلك وندعو الله لهم بالرحمة والمغفرة.
ونفس الأمر ينطبق على الثورة المصرية، ولكن الشرارة هذه المرة لم تكن مصرية وإنما كانت الشرارة آتية من تونس وقد التقطتها الحركات الشعبية المصرية واتفقت أن تشعل ميدان التحرير في 25 كانون ثاني /يناير من خلال وسيلة الفيسبوك وكان من بين الحركات الشعبية التي نسقت حركة 26 ابريل وغيرها. ثم تأثرت الحركات الكبرى بهذا الحركات مثل حركة الإخوان المسلمين والتفت جماهير الأمة حول هذه الثورة في كافة ميادين مصر تنشد التغيير.

والخلاصة أن تحريك الجماهير بحاجة إلى سبب محرك وهي وجود حركة جماعية تقود الناس ووجود شرارة تشعل الوضع وتوافر ظروف وشروط لازمة للثورة وأهمها شعور الناس بالظلم والقهر وفقدان الأمل في إصلاح النظام، لذلك كان شعار هذا الحراك الثوري (الشعب يريد إسقاط النظام).
ونحن الآن نستطيع فهم ما معنى "الشعب" وما معنى قولهم "يريد" وماذا يريد من أهداف بـ"اسقاط النظام"، وذلك من خلال قيامنا بتحليل فكري عميق مستند إلى فهم مبدأ السببية والسننية وطبائع الأشياء والشعوب. وهذا أمر جد هام لفهم قوانين الحياة ومراعاتها وأخذ العبر مما يحصل في تاريخنا وتاريخ غيرنا وتاريخ من سبقنا، فيجب علينا اكتشاف حقائق التاريخ وسننة والعض عليها بالنواجذ.

ندعو الله تعالى أن يفقهنا في سننه وأن يرزقنا اتباع الحق.
والحمد لله رب العالمين

الرابط على منتدى العقاب: http://www.alokab.com/forum/index.php?showtopic=1816&pid=25964&st=40&#entry25964

الأحد، 4 نوفمبر 2012

فتح الحصون الفكرية المنغلقة للسلفية الحنبلية

فتح الحصون الفكرية المنغلقة للسلفية الحنبلية


السلام عليكم ورحمة الله

بالإشارة إلى ما كتبناه في الموضوع السابق بعنوان "منهجية البحث عند اتباع المذهب السلفي الحنبلي " والسؤال الذي طرح (فهل يمكن فتح حصن فكري منغلق كهذا ومتشدد أيضا على من يقف خارجه؟ ) هذا ما نحاول الإجابة عليه هنا إن شاء الله.
 
 ذكر بعض الإخوة لنا تصوره لكيفية التعامل مع الحصون المنغلقة في تفكير السلفية وذكر أنه بوجود وليّ الأمر الحق ( خليفة المسلمين) هو ما يحل مشكلتهم ويفتح أبواب حصونهم، وهذا وإن كان قد يحل المشكلة عمليا لكني لم أقصد الحل العملي، وإنما قصدت الحل الفكري الثقافي. فبارك الله في جهودهم.

كذلك نحن ندرك من دراسة تاريخنا الإسلامي أن هذا الفكر كان موجودا عبر العصور ولم يحارب من قبل الدولة، وخضع اتباعه لخلفاء المسلمين من غير إشكال، وإنما تركته الدولة للرأي العام وقد قال فيه الرأي العام قولته المشهورة: (لا تكون حنبلي) ولذلك لم يكن له وجود هام يذكر في بلاد المسلمين إلا هامشيا، فقد وجد الفقه المالكي شمال افريقيا والاندلس مكانا له، أما الفقه الشافعي فكان له اتباع في مصر وبلاد الشام واليمن والحجاز وشرق افريقيا، أما الفقه الحنفي فكان له اتباع في العراق وتركيا وبلاد الهند. وهذا ما يدل على أن هذا الفكر إذا ترك دون دعم دولة قوية وفقد المال والسوط فسيتلاشى معظم أتباعه وينفض عنه الناس.

وذكر بعض الإخوة ايضا فكرة أن مفتاح عقولهم فكرة الانشقاقات لكنها أيضا ليست حلا، لأن انشقاق السلفية الجهادية عنهم زاد من تعنت اتباع السلفية الوهابية تجاه هؤلاء ورموهم باتهامات خطيرة بأنهم خوارج العصر (كما نعرف من شغفهم بتقسيم للناس لفرق وطوائف).
 

فاين الخلل في هذا النظام المنغلق؟

إذا أردنا أن نفتح الحصن الفكري المنغلق للسلفية، فعلينا النظر في الأصول التي اعتمدوا عليها والحصون التي حصنوا انفسهم بها، ثم معرفة مدى مصداقيتها من ناحية شرعية، وأن نقر منها ما كان مشروعا وأن نهاجم منها ما كان منكرا أو ظنيا، ويذكرونه على أنه حق لا مرية فيه، وبذلك ربما نفتح الابواب الموصدة من هذه الحصون.

فمن فهمنا لسنن الله تعالى في الكون والمجتمعات نعرف أن من ميزات النظام المنغلق أنه لا يتأثر ولا يتفاعل مع المحيط ويتجاهل الاعتبارات الخارجية وليس فيه أخذ ورد (عبرة وتصحيح للمسار)، ولا يميل إلى المحافظه على استقراره وتوازنه بعكس النظام المفتوح. وندرك أيضا بأن النظام المنغلق وبهدف المحافظة على الاستمرار والاستقرار يبتعد عن عن التعامل مع العوامل المتغيرة في محيطه، ويحبذ التعامل مع الأمور الثابتة المستقرة التي لا تتغير (مثل العقائد والعبادات)، وبالتالي فهو يعاني من الجمود والتقليد للسابقين ويحارب التحسين والتطوير لأنه يظن بأنه ليس بالإمكان ابدع مما كان (على عهد السلف من أفهام).

والأصول التي يمكن التعرض لها بالنقد هي: فهم السلف للنصوص، أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية، الخلاف المشروع في الظنيات دون القطعيات، الحقيقة والمجاز في اللغة والقرآن، البدعة.

وهذه الأفكار في الأساس مبنية لديهم على سوء فهم للإسلام، يؤدي إلى ما نراه في سلوكهم من سيئات، وبالتالي فإن الحل يكمن في مناقشة هذه الأصول عند السلفية، وإذا تبين لهم أن أفهامهم مرجوحة لهذه الأمور تنهار باقي الأفكار التي بنيت عليها والسلوكيات المتشددة ضد غيرهم، وبذلك  يكون دك الحصون قد افلح، وبعدها يصار إلى البناء الصحيح للمفاهيم.

والأصول الحصينة التي يمكن دكها كما يلي:

1.      مصطلح اهل السنة والجماعة المرتبط بالفرقة الناجية ليس هو الصحيح، فهذا ليس دليلا شرعيا والمعتبر فقط إنما ما عليه النبي وصحابته فجميع المسلمين ناجون ما اتبعوا النبي عليه السلام وإجماع الصحابة ولا عبرة بما اتفق عليه الناس بعد ذلك.

2.      الفهم للنصوص والاستنباط منها ليس متعلقا بجيل يسمى السلف بوصفه الأقرب للصواب، فليس على ذلك دليل قاطع أو راجح، فلا دليل على وجوب اتباع السلف بل من يؤخذ منهم هم اجماع الصحابة دون اجماع غيرهم، فليس عمل أهل المدينة دليلا مثلا. وكذلك تدبر في قوله عليه الصلاة والسلام (رب مبلغ اوعى من سامع) والمبلَّغ ليس فقط زمن النبي بل في كل العصور ممن يبلغه الحديث فيكون أوعى ممن سمعه من الصحابة فلا حصر فيهم، أما ما ورد من أحاديث في خيرية القرون الثلاثة الأولى مثل قوله عليه السلام فيما رواه البخاري: " خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ... إنَّ بعدَكُم قوماً يخونون ولا يُؤْتَمنونَ ، ويشهدون ولا يُسْتَشهدون ، ويَنْذِرونَ ولا يِفونَ ، ويَظْهَرُ فيهِمُ السِّمَنُ "وحديث آخر يذكر (...ثم يفشوا الكذب) فهذه الأحاديث ليس فيها دلالة على أن خير الفهم للإسلام يكون في القرون الثلاثة الأولى، بل يدل على أن الخيرية في العمل والسلوك مثل الأمانة والصدق في النقل والوفاء بالنذور، ولا دلالة فيه على أنهم أحسن الناس فهما بل فيها دلالة على صدق الرواية ونقل الأحاديث.

3.      جواز الاختلاف في الظنيات والفروع الاجتهادية من غير إنكار ما دامت وفق الأدلة الشرعية وللمجتهد المصيب أجران وللمخطئ أجر، والتأدب مع المخالفين وعدم كيل الاتهامات والتشنيع باعتبارهم مبتدعة ثم تسويغ الافتراء عليهم وتحريف كلامهم

4.      عدم التسليم لهم بتقسيم المسلمين إلى فرق وطوائف مختلفة، ثم الصاق التهم بهم لتسويد صفائحهم وتسويغ ابعادهم وعزلهم ثم شتمهم، بل يجب التركيز على ما يجمع المسلمين وليس ما يفرقهم.

5.      التعرض بشكل مركز لفكرة انحراف الفهم لديهم مثل إنكار المجاز في القرآن واعتبار التأويل من التحريف والتعطيل، والتركيز على لغة العرب جميعا بحقيقتها ومجازها وعدم جواز الاقتصار على جزء منها فهذا تحكم من غير دليل، ورفض اعتبار تعريف المشكلة هي في التأويل والتعطيل

والخلاصة هو أنك كمسلم عندما تناقش مسلما تفترض من باب إحسان الظن بالمسلمين أنه إذا دعي إلى قول الله ورسوله أن يقول سمعنا وأطعنا، ولكن وللأسف فهذا وإن أدعي هذا عند السلفية الوهابية ولكنه ضيق وحرف بشكل لا يؤدي الغرض منه فيشترطون شروطا على الفهم للأدلة التي تأتي بها بحيث تؤدي إلى النتيجة المعروفة لديهم سلفا، فأنت لو ناقشت بالدليل الشرعي فرأيك غير مقبول إلا إذا كنت على مذهبهم، أو كان كلامك يتوافق مع ما عليه مذهبهم، أو أتيت بدليل يدل على دليلك من خلال فهم السلف (الحنابلة وأهل الحديث)، فهذا يدلك على مقدار التعصب للمذهب من غير إدعاء وجود التعصب من خلال وضع الشروط على الفهم مما يخل بالفهم.

للاسترشاد الصحيح للرد والتفنيد وتحطيم الحصون، يجب علينا النظر في كتاب الله القرآن الكريم، لنجد بعض الأمثلة المشابهة التي ذكرها ربنا جل وعلا حول طبائع بعض الأقوام الذين يتميزون بصفات تتشابه مع ما عليه هؤلاء، ومنهم الأقوام الذين ورد ذكرهم في كتاب الله والأقوام المتشابهون مع منهج هؤلاء هم –للأسف- أهل الكتاب -وخصوصا يهود- وكذلك أهل الجاهلية، وإليك التالي:.

قارن مثلا قول الله تعالى في شأن أهل الجاهلية من قريش والعرب في سورةالزخرف: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ( 22 ))، قارنه بقول السلفية بوجوب اتباع فهم السلف (الآباء) وتقديم كلامهم على كلام الخلف لأنهم سلف وآباء فقط.

ثم قارن ما قال الله تعالى في سورةالزخرف (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ( 24 ) قارن ذلك برفضهم قبول النقاش وفق أسس الهدى بالاستنباط المباشر من الأدلة الشرعية، وإلزامك بقول الآباء السلفيين حتى ولو كان رأيا ضعيفا أو فهما مرجوحا.

وقارن قول الله تعالى في شأن يهود في سورة آل عمران (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) وقارنه بعدم قبول رأي أي عالم من السلف أو الخلف إلا لمن تبع مذهب السلفية الحنابلة!

وانظر كذلك قول الله تعالى في شأن أهل الكتاب  في سورة آل البقرة: )ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك (145)) فالقضية عندهم ليست قضية دلائل وبينات وآيات تهدي للحق، بقدر ما هي اتباع أقوال السابقين لأنهم سلف الأمة وعلى مذهب أهل السنة والجماعة.

وانظر كذلك قول الله تعالى في شأن المشركين في سورة يونس: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وفي سورة النجم: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً  28) قارنه مع ما عليه السلفية من اتباع الظن في العقائد.

إذن منهج السلفية يخالف منهج القرآن في الفهم المشروط وفق شروط تخالف كتاب الله ، وهم بذلك لا يختلفون عن غيرهم من الفرق الأخرى التي اتهموها بسوء الفهم والانحراف في العقيدة والابتداع في الدين، فهم من حيث يدرون أو لا يدرون من أسوأ الفرق في سوء الفهم للإسلام ويزيدون عليه بانهم يطعنون ويتهمون من غير مراعاة لأخلاق الإسلام في التعامل مع المخالفين (أذلة على المؤمنين).

وبهدف إحسان الفهم للإسلام، لا بد أن ندرك أن الفهم يتركب من أمور متعددة هي:

·        النصوص بما تشتمله من محكمات ومتشابهات، وقطعيات وظنيات الخ.

·        اللغة العربية وما فيها من الحقيقة والمجاز والألفاظ والتراكيب

·        الواقع المتغير والذي يؤثر في تغير اللغة وتطور الفهم للواقع المذكور مجملا في النصوص لأن النص يعالج الواقع ولكنه يتعرض له بشكل مجمل غير مفصل ويعطي الحكم فيه.

أما بشأن اللغة والمجاز فأقول أن الله عز وجل أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه، بمعنى أنه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب؛وقد نزل بلسان عربي مبين إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3]، واللغة العربية التي يعقل معانيها العرب تكون في كل شيء من لغتهم سواء في الحقيقة أو المجاز أو الكناية الخ، فلا يجوز نفي وجود المجاز في القرآن بحجة أن هذا تحريف وتأويل وتعطيل ما دامت اللغة العربية تحتمله ويفهمه العربي بسليقته.

أما بشأن الواقع فأقول أن المعاني في اللغة تدل على وقائع محددة يعرفها العاقل من معلوماته السابقة الواقعية وهذه المعاني قد تكون مجملة في وصف الواقع أو مفصلة ولكن الغالب أن القرآن يذكر الوقائع بإجمال، لأن السامع العاقل المتلقي للخطاب يدرك هذه الوقائع سابقا على نزول القرآن فلا حاجة للقرآن إلى تعليمه الواقع بالتفصيل.

وكذلك نذكر بشأن فهم الواقع أن مما يعين على إحسان الفهم للنصوص معرفة أسباب النزول وفهم عادات العرب وفكرهم وأعرافهم وديانتهم قبل الإسلام، ومن الأمثلة أن مشركي العرب كانوا يفرقون بين الرب الخالق والآلهة التي يعبدونها (الأصنام) بذكر الرب على أنه الذي في السماء وبذكر الأصنام على أنهم آلهة من الأرض، وقد خاطبهم القرآن من باب المشاكلة (أأمنتم من في السماء) ومن سوء فهم السلفية أنهم قالوا بالعلو وجعلوا أن الايمان بأن الله في السماء من العقيدة ، في حين أن الله ذم المشركين في وصفهم لله بقوله في آل عمران: (يَظنُّون باللّه غَيْرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية) وقد اتبع هؤلاء ظن الجاهلية.

وبعد الهدم يتم البناء الصحيح لإحسان الفهم مع هؤلاء في قضايا هامة من مثل الأمور التالية:

1.      ضرورة فهم الواقع بشكل صحيح قبل إنزال الحكم الشرعي عليه مثل مصطلح ولاة الأمور

2.      ضرورة تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المستجدة في السياسة والاقتصاد والحكم وغيره وفهم ما يتعلق بواقع المسلمين من وحدة وإقامة شرع الله بتنصيب خليفة للمسلمين

3.      تذكيرهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحكام ووجوب النصح لهم ومحاسبتهم بشكل علني

4.      وجوب وجود مشروع للنهضة بالأمة وحمل الدعوة الإسلامية بالجهاد للعالم
 

على كل حال فإن هذا المشروع المتعلقب فتح الحصن الفكري المنغلق للسلفية الحنبلية لا بد من العمل عليه بالتفصيل من قبل بعض العلماء خصوصا فيما يتعلق بالأصول التي بنوا عليها أفهامهم ، وهذا الأمر بحاجة إلى تشمير سواعد الجد من أجل العمل على إحسان الفهم للإسلام كمقدمة لنهضة المسلمين النهضة الصحيحة في دولة الخلافة الإسلامية التي ندعو الله تعالى أن يعجل في إقامتها وأن تكون خلافة على منهاج النبوة إنه سميع قريب مجيب.

والحمد لله رب العالمين

ملاحظة: تم نشر هذا الموضوع في منتدى العقاب تحت الرابط:
http://www.alokab.com/forum/index.php?showtopic=2686&st=20